نصير الشيخ يستنطق الذاكرة في (جمرات المكان)
بغداد - علي الدليمي
عن «دار توليب للطباعة والنشر»، صدر حديثاً للأديب والناقد العراقي «نصير الشيخ» كتاب سيري جديد حمل عنوان (جمرات المكان – نصوص سيرية).
يأتي هذا الإصدار ليمثل بوصلة سردية تستدل بها الذاكرة على محطات مسيرة إبداعية امتدت لعقود، محاولاً فك شفرات العلاقة الملتبسة والممتدة بين المبدع وبيئته الأولى. في «جمرات المكان»، لا يكتفي الشيخ بتدوين اليوميات العابرة، بل يخطو بحذر وشغف فوق «ثماني عشرة جمرة ملتهبة» من الذكريات والمواقف التي شكلت وعيه الثقافي. النصوص هنا ليست مجرد توثيق زمني، بل هي «استنطاق» لروح الأمكنة واسترجاع لملامح المسيرة الطويلة بأسلوب يمزج بين شجن الاستذكار ودقة التحليل النقدي. ويرى الشيخ في ثنايا كتابه أن المكان يتجاوز كونه حيزاً هندسياً مؤثثاً، ليقفز كـ «تصريح وجودي» تستدعي إشاراته عين الناظر، مؤكداً أن الأمكنة ترسل شفراتها التي تتواءم مع مديات التلقي؛ فثمة أمكنة تترك في الذاكرة أثراً مقيماً يستوطن الوعي واللاوعي على حد سواء.
تكمن القيمة النقدية لهذا الإصدار في قدرة نصير الشيخ على تحويل «المكان» من جماد إلى فضاءات تتلقفها الذاكرة كقصة، وطعم، ورائحة. إنها سيرة عابرة للأزمنة، حيث يستقر المكان كـ «أثر» تتوالد منه الأفكار والتصورات. ويمكن رصد ملامح التميز في هذا العمل من خلال النقاط الآتية: ثنائية الوعي واللا وعي وكيف يحفر المكان عميقاً في الذاكرة الجمعية والفردية. والمقاومة ضد الاندثار، حيث يظهر التدوين هنا كفعل استجابة لمتغيرات العصر، ومحاولة لإنقاذ التاريخ الشخصي والمكاني من معطى الزوال. فضلا عن بلاغة السيرة، التي يتمتع بها الشيخ في الكتابة بأسلوب «الجمرات» يوحي بحرارة التجربة وصعوبة استحضارها، فهي ليست ذكريات باردة، بل مواجهات حية مع الماضي. يُعد «جمرات المكان» إضافة نوعية للمكتبة السيرية العراقية، حيث يقدم فيه الشيخ خلاصة تجربته في ملاحقة الأثر المتبقي من الأيام، موثقاً لحظات التحول الكبرى في مسيرة إبداعية لم تخْلُ يوماً من التحدي.
في جمرات الكتاب، نستشف: (المكان هنا يخرج عن كونه حيزاً هندسياً.. ليستقر أثراً تتوالد عتباته الأفكار والتدوين المرئي لتاريخه وحضوره).