الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
مجلة الأديب العراقي الروائيّة عالية ممدوح، صوت من فم العاصفة


مجلة الأديب العراقي:الروائيّة عالية ممدوح، صوت من فم العاصفة

صادق الطريحي

 

يتحدّث كثير من الأدباء عن ملهماتٍ لهم للكتابة (حبيبة، زوجة، صديقة، أم، …) أفلا يحقّ للكاتبة العربيّة أن تتحدّث عن ملهم حبيب لها!! فهل لديك ملهم للكتابة؟!

– ربّما، الإلهام لا يأخذ الأطوار ذاتها، بمعنى، الحبيب ملهم في المقدّمة، هو يحضر من طول الغرام والمعاشرة التي لم تتوقّف قطّ حتى في حالة الغياب، وتخزّن المؤلّفة الصور والمفردات والروائح ما قبل الكتابة؛ لكي تحضر في الأخير رائحة المحبوب التي تفرز من غدد التدوين ذاته. نعم، فليكن للكاتبة أكثر من ملهم أصيل حقيقيّ، ومتخيّل، غير مهمّ كثيرًا ما يحمل من ألقاب هي بمفردها تعرف ماهيّتها.

من القارئ الأوّل لرواياتك؟

– قبل تعارفنا أنا والروائيّة المبدعة والباحثة والمترجمة العراقيّة إقبال القزويني التي تسكن في برلين، كنت أبعث المخطوطة لدار النشر حالما أنتهي منها. كانت رواية (التشهّي) بدء التعارف وبدء الاستئناس برأي هذه الصديقة الأمينة، والنادرة أخلاقيًا، وفكريًا، وإنسانيًا. فأنا أثق بما نتدارس من خطط، وطرق، ومشاريع وأسماء لتحسين شروط الإبداع. هي صداقة نفيسة أخلصت لتوتّر التأليف وكانت تقوم بتهدئة روع النعوت والمفردات لدى الكاتبة، فشكرًا لها دائمًا على الوفاء النقديّ والإنسانيّ والشرط الإبداعيّ.

 

لقد قرأتِ رواية (المراهق) لدوستويفسكي وأنتِ في مرحلة المراهقة، فكيف وصلت الرواية لك، هل وصلت مصادفة، أو أنت من بحثت عنها؟ وهل يمكن القول إنّ دوستويفسكي، يعدّ مثلك الأعلى في الفنّ الروائيّ؟

– نعم طالعت رواية المراهق وأنا مراهقة، في بيتنا لا نمتلك مكتبة، بل هي مجموعة أعداد من مجلّات دوريّة مصريّة، وكتب لطه حسين والعقّاد وما يصدر في القاهرة، كان أبي مصدرها. هذه العاصمة كانت مصباحًا يحمل شحنة من الفولتيّة العاصفة لجيلي، ولأجيال من بعدي. وأنا شخص يمتلك فضولاً عدوانيًا سافرًا في كثير من الأحيان، فكان مؤشّر علاقاتي بالأدب هو الإذاعات العربيّة وبرامجها الثقافيّة. جدّتي العظيمة كتابها النهائيّ هو القرآن الكريم، والعمّة توقّفت عن قراءة أيّ شيء بعد حصولها على المتوسّطة، وإذًا من يكترث للمعرفة والقراءة، ثمّ من أين لنا، أنا وأخي بالنقود لشراء الكتب؟ هي محنة أجيال وطبقات كانت توفّر بعض ضمانات الغذاء والتعليم الحكوميّ وبعض شروط الصحّة.

 

      كان ميلنا أنا وأخي الذي يصغرني بعامين مغايرًا تمامًا، فبعد بضعة أمتار من بيتنا في (حيّ الصليخ) كانت هناك (مكتبة الصباح) للأخوين صباح والأخ الآخر لا أتذكّر اسمه. هذه المكتبة أتمنّى الكتابة عنها، وعن الأسرار الكثيرة التي كنّا نكتشفها عامًا بعد آخر ونحن نكبر ونعي ما يحصل من حولنا. هذه المكتبة هي التي وفّرت لي بعض الروايات الروسيّة والتراجم الفرنسيّة.

    كنت أجمع ما يجود به الوالد والأعمام والجدّة وأضعه في يد السيّد صباح لكي يوافق على استعارة هذه الكتب، ويوم نشرت قصّتي الأولى ” كبرياء” في مجلّة الحسناء اللبنانيّة، جلبها لي مشكورًا، يومها دفنت سروري في الروح حتّى وصلت غرفتي فقفزت عاليًا ونطحت السقف الواطيْ! مع الأسف كانت تلك الكتب للاستعارة فقط. وكانت الشجاعة في القراءة، كميل فطريّ البعض أهمله على مرّ السنين والبعض الآخر صار ضميره الغائب.

 

     وأنا، يا عزيزي ليس لديّ مثل أعلى في أيّ شيء، فأنا أشعر أنني في حالة دائمة من الارتحال بين الكتب والسينما التي كانت تمنحني حلولاً إبداعيّة للكثير مّما أكتبه، والموسيقى بأنواعها، ومعارض الرسم. هذه إيقاعات فنيّة أقيم وتقيم فيّ ولا أدري أيّ من تلك الفنون والمعارف البشريّة هي الأكثر توقّدًا في الروح.

وثّقت عالية ممدوح فنيًا في رواياتها كثيرًا من الأحداث المعاصرة لنا، فهل اعتمدت على ذاكرتها فقط، أو استعانت بمصادر من خارج الفنّ الروائيّ، أو عن طريق حواراتها مع الأصدقاء، ومشاهدتها الميدانيّة؟ ومن المعروف أنك تأثّرت بكتاب (نوستوس) للمعماري معاذ الآلوسي في كتابة رواية التانكي.

 

– لنبدأ من الأخير، كان كتاب” نوستوس” للمعمار الجليل والصديق العزيز معاذ الآلوسي هو أحد مصادري الأساسيّة، وهنا عليَّ إعلان الامتنان الشديد لأسماء كثيرة من الأساتذة، والمعلّمين، والمهندسين، من الأصدقاء والأصحاب الذين لم يرغبوا في نشر الأسماء على الملأ، الذين منحوني الوقت، وسلّموني الكثير من ذاكرتهم وذكرياتهم البديعة حول كليّة بغداد التي بدت لي كالبذرة الأولى في شجرة بدت لي صغيرة، لكنها تضاعف ثمرها إلى يوم بدء الغزو الأمريكيّ. دون الحاجة إلى كثيرٍ من الخيال والتخييل لتوطين الآباء اليسوعيّين في شارع التانكي، ذراع أمريكا الممدود طويلاً وعميقًا للداخل العراقيّ، والذي أحيط بالرعاية وكان في البدء كما نقول بالعراقيّ –مدلّل- وهو يبني كوادره، ويستدعي إغراءاته في التعليم والتربية، والرياضة والمباركة الدينيّة. فأنا بحثت عن أولئك الذين شغلوا مناصب مديرين للمدرسة في أعوام سابقة.

 

    وكان البعض ما يزال على قيد الحياة، لكنه فضّل عوني من دون ذكر اسمه. كما استعنت ببعض الطلبة الذين تخرّجوا فيها، فتحدّثوا لي عن بريقها التعليميّ من دون الكشف عن نواياها وطموحاتها. كما استعنت بذاكرتي الشخصيّة وإخوتي وبعض الأصدقاء. ولقد سافرت إلى المملكة الأردنيّة، وإلى لندن وبقيت فترات زمنيّة مناسبة للاستئناس بالآراء والنقاشات. أمّا في رواية (الغلامة) فقد ساعدني زوجي في التعرّف على إحدى ضحايا الحرس القوميّ، إضافة إلى إعلامي باسم أحد الحزبين الكبار الذي فتك بمصير – هجران- وقد زرتها في مستشفى الأمراض العصبيّة، ورفضت الإدارة ملاقاتها. كانت شخصيّة هجران في (الغلامة) وللساعة أراها هي الحدّالأقصى في قسوة وصلافة البشر وفي التأليف بنسبة أدنى مّما أوصل الشخصيّة الحقيقيّة إلى الجنون. كان فصل هجران هستيريًا لشرّ السيّد رامي ودناءته.

 

      فماركس كان يرى وجود الشرّ في الحياة الإنسانيّة، وبظرفه ودعابته ظلّ يعدّد المهام التي يثيرها وجود الشرّ: ” وجود بناء السجون والأقفال. المراقبون من البوليس والحرّاس. المحامون والقضاة”. ومن هنا نتدرّج إلى الأعمال الإبداعيّة التي لن تكون لاذعة وتلسع لولا وجود الشرّ في العالم والقيام بتفكيكه وإدانته بجميع الوسائل المتاحة.

ألا تعتقدين أنّ بعض الروايات العربيّة قد بيعت بنسخ عالية الأعداد، وكتب عنها كثير من النقاد؛ لأنها تركّز على الجنس والإيروتيك في ثيمتها أو بنائها!

– هذا قول غير دقيق، فليس لدينا إحصاءات كاشفة حول هذا الموضوع بالذات، فلَم يعد العثور على الجنس عبر الكلام والكتب فقط. صار (النت) يقدّم وجبات في الإباحيّة والابتذال والدمامة التي تربك العائلة وتحرجها، أيّ عائلة. كما أنّ الكتب العربيّة القديمة تلك التي كانت تتحدّث بيسر وبسهولة عجيبة عمّا لا يخطر في البال، وقد شاهدتها فائضة على مفارق الطرقات والأسواق الشعبيّة في الرباط ومراكش، وقد اقتنيت بعضها كغيري من الأصدقاء والصديقات.  أظنّ لم تبع تلك الروايات بنسخ كبيرة، ولم نقرأ لأيّ كاتب أو كاتبة أرقامًا ساحقة، لا لأنها كتبت بشبقيّة مرتفعة، وإنّما لأنها روايات جيّدة، الجنس ظهر في سرديّتها لأن الحياة بصيرورتها هي هكذا، فالجنس ليس ” حيّزًا مثاليًّا ” ولا وجوده في التأليف والسرد الروائي أمر خارق للعادة، وإنّما ينبغي التقاط شذراته وضمان وصول توتّره إلى جسد العمل الروائيّ على نحو محبّ وأصيل وليس عشوائيًا كنوع من الابتزاز للقارئ. ما يخصّني مازالت بعض رواياتي ممنوعة!! وبحسب الدار أو الدور التي تعاملت معهم يقال، إنني الأقلّ مبيعًا بين الزملاء.

يتبع الجزء الثاني

 


مشاهدات 44
الكاتب صادق الطريحي
أضيف 2026/02/02 - 4:02 PM
آخر تحديث 2026/02/03 - 12:51 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 46 الشهر 1548 الكلي 13933192
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/2/3 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير