رمزية المطر والنار في بناء خطاب العشق
دراسة نقدية لقصيدة أنّ الهوى أمطاره غزيرة للشاعر مهند إلياس
عبدالكريم الحلو
( الفصل الاول )
قصيدة : أن الهوى امطاره غزيرة
شعر : مهند الياس
انعطفي ....
نحو اكتظاظ اللهب
واحترقي
في موقد جنوني المصطخب ..!
ثم اخرجي عاشقة
تعرف كيف تضرب
بسوطها
تروض خيولي الجامحة
في الملعب ..!
وتعرف كيف وكيف تقرأ
سمائي المتخمة
بالشهب ..!
وتعرف الاسرار
في كل فنون اللعب !!
انعطفي
ودوري حول السحب
ان الهوى امطاره غزيرة
تعصف حين يبدأ صراخك
وحينما
يوقظ في اصابعي ارتعاشة
يسيل منها الماء عند الجدب
يا صحوة العشق الذي لم ينضب ..!
يا اجمل سفر ومن فصوله
اقرا كل الكتب ..!
*****************
( الفصل الثاني )
* مقدّمة الدراسة :
* إعتراف قبل المقدمة :
أعترفُ الآن…
أنّي حين اقتربتُ من هذا النص
كنتُ أدخل غابةً لا أعرف خرائطها،
نصٌّ لكاتبٍ كبير،
ونبضُ ناقدٍ فذّ،
وروحُ شاعرٍ جميلٍ
تسبقُ قراءتي بخطوةٍ من ضوء.
كانت مغامرةً أكبر من أدواتي،
وأثقل من جرأتي،
أن أضع يدي في نار تجربةٍ
صاغها مَن يعرف كيف يُشعل المعنى
ولا يحترق.
يا ويلي من هذه الورطة الجميلة…
ورطة أن تقرأ الجمال
وأنت تعرف أن الجمال
أوسع من قراءتك،
وأعمق من لغتك،
وأشدّ مكابرةً على أن يُختَصر.
لم آتِ ناقدًا يملك الحقيقة،
بل قارئًا تلميذًا
يعتذر للنص إن قصّر،
ويشكر صاحبه لأنّه
منحه فرصة أن يتيه قليلًا
في دروب الشعر…
ثم يعود،
مثقَلًا بالدهشة
وأخفّ باليقين
هنا .. توكلت على الله :
يمثّل الشعر الغزلي الحديث تحوّلًا لافتًا في بنائه الدلالي والجمالي، إذ لم يعد العشق مجرّد انفعال وجداني مباشر، بل غدا بنية رمزية مركّبة تتقاطع فيها الذاتي بالكوني، والحسّي بالوجودي.
وفي هذا السياق، تأتي قصيدة :
«أنّ الهوى أمطاره غزيرة»
للأديب والناقد والشاعر مهند إلياس
بوصفها نصًّا ينقل تجربة الحب من حدود الاعتراف العاطفي إلى أفق تخييلي واسع، تُدار مفاصله عبر شبكة من الرموز الطبيعية التي تُعيد تشكيل معنى العشق داخل بنية كونية شاملة.
تتأسّس القصيدة على استدعاء عناصر الطبيعة الكبرى :
النار والماء والسماء والسحب والشهب،
بوصفها علامات دلالية فاعلة لا تؤدّي وظيفة تصويرية زخرفية فحسب،
بل تنهض بدور بنائي في إنتاج المعنى الشعري.
فالعشق يتجلّى احتراقًا وتطهّرًا في آن، وجدبًا وخصبًا، وانمحاءً للذات داخل الآخر ثم استعادةً لها عبر المطر واليقظة.
ومن هنا، يغدو الحب في النص قوّة تحويليّة تعيد ترتيب علاقة الذات بالعالم، وتُحوّل التجربة الفردية إلى رؤية كونية مفتوحة على التأويل.
تنطلق هذه الدراسة من مقاربة تأويليّة رمزيّة (هرمنيوطيقيّة) تسعى إلى تفكيك الأنساق الدلالية الكامنة في بنية الصورة الشعرية، وتتبع آليات اشتغال الرمز الطبيعي في بناء خطاب العشق.
كما تهدف إلى الكشف عن الأبعاد الوجودية والجمالية التي تنطوي عليها هذه الرموز، بوصفها وسائط عبور من التجربة الشعورية الآنية إلى أفق كوني أكثر شمولًا.
وتفترض الدراسة أنّ الشاعر لا يصف الحب، بل يعيد خلقه لغويًا عبر تحويله إلى نظام من العلامات المتفاعلة، حيث تتواشج النار بالماء، والسماء بالأرض، لتوليد معنى العشق بوصفه طاقة لا تنضب.
( الفصل الثالث )
و من هذا الساحل الذهبي نبدأ رحلتنا :
تنطلق هذه الدراسة من سؤال مركزي:
س :
كيف يتحوّل العشق في القصيدة من
تجربة ذاتية وجدانية إلى بنية رمزية كونية تُدار عبر عناصر الطبيعة؟
وهل توظيف النار والماء والسماء والسحب مجرّد زخرفة تصويرية، ؟
أم آلية دلالية لتأسيس رؤية شعرية عن الحب بوصفه طاقة كونية مزدوجة
( احتراق - ارتواء ) ؟
المنهج المعتمد :
تعتمد الدراسة المنهج التأويلي (الهرمنيوطيقي) ذي البعد الرمزي، القائم على:
* تفكيك العلامات الطبيعية داخل النص (النار، المطر، السحب، الشهب).
* تتبّع تحوّلات الدلالة من الحسّي إلى المجازي فالوجودي.
* قراءة العلاقات الرمزية بين العناصر بوصفها شبكة معنوية منتجة للخطاب العشقي.
المحاور التحليلية الرئيسة :
1) رمزية النار:
العشق بوصفه احتراقًا وجوديًا
«انعطفي …
نحو اكتظاظ اللهب واحترقي ..
في موقد جنوني المصطخب»
تُؤوَّل النار هنا لا بوصفها عنصر هلاك،
بل طقس عبور من الذات المحدودة إلى الذوبان في الآخر.
الاحتراق فعل تطهّر رمزي،
يشبه طقوس الفناء الصوفي،
حيث لا يتحقق الاتحاد إلا عبر الذوبان.
2) رمزية الماء :
العشق بوصفه إحياءً بعد الجدب
«إن الهوى أمطاره غزيرة»
«يسيل منها الماء عند الجدب»
الماء يحضر باعتباره مبدأ الخصب والإنبعاث، يقابل احتراق النار.
وبهذا تتأسس في القصيدة ثنائية دلالية:
• النار : فناء الذات في الحب
• الماء : إنقاذ الوجود من اليباس الروحي .
والعشق لا يكتمل إلا من خلال الجمع بين القطبين.
3) السماء والسحب والشهب:
تعميم التجربة العاطفية
«اقرأ… سمائي المتخمة بالشهب»
«دوري حول السحب»
يتحوّل العشق من تجربة فردية إلى فضاء كوني مفتوح، حيث تُنقَل العاطفة من حدود الجسد إلى اتساع السماء.
وهذا التوسيع الرمزي يمنح الحب بعدًا كونيًا، فيغدو العاشق كائنًا يتماهى مع الفضاء لا مع المحبوب فقط.
4) العشق كقوّة كونية
لا كحالة شعورية
« يا صحوة العشق الذي لم ينضب»
يُبنى العشق هنا بوصفه قوة مستمرة لا تنفد، أشبه بمبدأ وجودي يتجاوز اللحظة والغريزة. إنّه عشقٌ لا يُستهلك بل يُعيد إنتاج ذاته عبر المطر والاحتراق واليقظة.
خلاصة نقديّة :
تُظهر القراءة التأويليّة الرمزيّة
أن قصيدة «أنّ الهوى أمطاره غزيرة»
لا تنتمي إلى الغزل الانفعالي المباشر،
بل تؤسّس شعرية كونية للعشق،
حيث تتفاعل العناصر الطبيعية لتشكّل منظومة رمزية تعبّر عن تحوّلات الذات في تجربة الحب:
من الاحتراق إلى الارتواء،
ومن المحدود إلى اللامتناهي.
وبهذا، يغدو العشق في النص :
طاقة وجودية تُعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والعالم، لا مجرّد علاقة بين عاشق ومعشوق.
( الفصل الرابع )
الاشتباك النقدي
المبحث الاول :
“الانتماء المدرسي والاشتباك النقدي للنص”
س : إلى أيّ مدرسة شعريّة
ينتمي هذا النص؟
قصيدة «أنّ الهوى أمطاره غزيرة»
لا تنتمي إلى مدرسة واحدة مغلقة،
بل تتحرّك في منطقة تقاطُع بين أكثر من تيّار حداثي، وأقرب توصيف أكاديمي لها هو:
1) الشعر الحداثي الحر
(قصيدة التفعيلة - قصيدة السطر الحر)
من حيث البنية الإيقاعية المفتوحة، والجملة الشعرية المتحرّرة من عمود الشعر، واعتماد الصورة المركّبة والانزياح اللغوي.
القصيدة تعتمد النفَس الحرّ والتدوير، وتراكم الصور بدل البناء البيتي التقليدي.
2) الشعر الرومانسي الجديد :
لكن بصيغة حديثة غير تقليدية:
• العشق هو المركز الدلالي.
• الذات العاشقة هي المحرّك الشعوري للنص.
• الطبيعة (المطر، السحب، الشهب) وسيط رمزي للتجربة الوجدانية.
غير أن الرومانسية هنا ليست بكائيّة أو وجدانية ساذجة، بل مُرمَّزة ومكثّفة.
3) الشعر الرمزي الحداثي:
وهذا الانتماء هو الأدق نقديًا:
القصيدة لا تصف الحب مباشرة،
بل تُرمِّزه عبر عناصر الطبيعة
( النار - الماء - السماء )،
وهذا جوهر المنحى الرمزي في الشعر الحديث:
تحويل التجربة الشعورية إلى شبكة علامات وإيحاءات لا إلى تقرير عاطفي مباشر.
الخلاصة المدرسيّة:
النص ينتمي إلى:
المدرسة الحداثية ذات النزعة الرمزية الرومانسية الجديدة.
المبحث الثاني :
مع مَن يتشابك نقديًا
(الاشتباك الجمالي والفكري)؟
القصيدة تدخل في حوار نقدي غير مباشر مع عدّة تجارب شعرية عربية معاصرة وسابقة، من حيث الرؤية والصورة واللغة:
1) الاشتباك مع بدر شاكر السيّاب
(الرمز والطبيعة)
من حيث:
• استثمار المطر بوصفه رمزًا للخصب والانبعاث.
• تحويل الظاهرة الطبيعية إلى حامل دلالي وجودي.
الفرق:
السيّاب : يُحمّل المطر بعدًا جمعيًّا - وطنيًّا،
بينما مهند إلياس : يُعيد توظيفه في بعد عشقي–وجداني.
2) الاشتباك مع نزار قبّاني
(العشق بوصفه خطابًا مباشرًا)
يتقاطع معه في:
• مركزية الجسد والعاطفة.
• توجيه الخطاب إلى أنثى حاضرة بقوة.
ويفترق عنه في:
• أنّ لغة مهند إلياس أكثر ترميزًا وأقل مباشرة اعترافية من نزار، الذي يميل إلى البوح الصريح.
3) الاشتباك مع أدونيس
(الكوننة واللغة الرمزية)
من حيث:
• توسيع التجربة الفردية إلى أفق كوني (سماء، شهب، عناصر).
• النزوع إلى كوننة العشق وإخراجه من محليته الشعورية.
لكن دون الدخول في تعقيد فلسفي أو تفكيك لغوي عميق كما عند أدونيس؛ هنا الرمز ما زال شفافًا وقابلًا للتلقي.
4) تماسّ خافت مع النزعة الصوفية الحديثة (الحب بوصفه فناءً ويقظة)
يتجاوب النص مع مفاهيم صوفية حديثة:
• الاحتراق (الفناء في المحبوب)
• اليقظة (الصحوة العشقية)لكن دون إحالات صريحة إلى معجم صوفي تراثي، ما يجعله تصوّفًا جماليًا حديثًا لا تصوّفًا اصطلاحيًا.
خلاصة القول :
ينتمي نص «أنّ الهوى أمطاره غزيرة» إلى الشعر الحداثي ذي النزعة الرمزية الرومانسية الجديدة، حيث تُعاد صياغة التجربة العاطفية عبر شبكة من الرموز الطبيعية التي تنقل الحب من مستوى الانفعال الذاتي إلى أفق كوني إيحائي.
ويتشابك النص نقديًا مع تجارب شعرية عربية حداثية بارزة، في مقدّمتها تجربة بدر شاكر السيّاب في توظيف الطبيعة رمزًا دلاليًا،
وتجربة نزار قبّاني في مركزية الخطاب العشقي،
مع تماسّ جمالي مع النزعة الكونية عند أدونيس، ضمن أفق تعبيري أقل تعقيدًا وأكثر شفافية دلالية.
( الفصل الخامس )
التقييم العام :
١ - تقييم النص :
* يُظهر نص «أنّ الهوى أمطاره غزيرة» للشاعر مهند إلياس قدرة واضحة على بناء خطاب عشقي حداثي يقوم على تكثيف الصورة وتفعيل الرمز الطبيعي بوصفه أداة دلالية فاعلة في إنتاج المعنى.
* يتميّز النص بطاقة تخييلية عالية تنقل التجربة العاطفية من مستوى البوح المباشر إلى أفق إيحائي يتقاطع فيه الذاتي بالكوني، ما يمنحه بعدًا تأويليًا يتجاوز الغزل الانفعالي التقليدي نحو رؤية شعرية أكثر تركيبًا.
* من الناحية الجمالية، :
* نجح الشاعر في توظيف ثنائية العناصر (النار - الماء) لتأسيس جدلية دلالية بين الاحتراق والارتواء، بما يعكس توتّر التجربة العاطفية وتحوّلاتها النفسية والوجودية.
* كما أسهمت الصور الكونية (السماء، السحب، الشهب) في توسيع مجال الدلالة، وإضفاء بعد رمزي يمنح النص طاقة إيحائية قادرة على استدعاء قراءات متعددة، وهو ما يُحسب للقصيدة على مستوى العمق الدلا