ضجيجُ القاع.. وهيبةُ السبعة آلاف عام
أيوب الجميلي
يُطلّ علينا التساؤل المُرّ: هل يعقل أن ينحدر ورثةُ أول حرفٍ في التاريخ إلى قاع السطحية؟
إن مجتمعاً يمتد عمقه الحضاري لسبعة آلاف عام لا تليق به "هزائم أخلاقية" تُصَدّرها شاشات الهواتف.
ما يحدث اليوم ليس مجرد "محتوى عابر"، بل هو غزوٌ سلوكي يستهدف خلخلة الثوابت، حيث باتت صفحات "الميديا" مسرحاً لمشاهد لا تمتّ بصلة لجوهر الإنسان العراقي الوقور.
مشاهد مُخلة بالحياء تتناثر عبثاً وتنخر في حافر المجتمع لجعل من الأذب سفاهةً ومن البذاءة أدبً وتبرير التصرف الغير خلوق تحت عنوان "كلها صارت هيچ" من فترة زمنية قياسية تقف عليها اخلاق مجتمعاً كامل على شفا حُفرة من أنتشار مقاطع فديوية مخلة بالحياء تُطال فنانين وشخصيات عامة التي من المفروض تكون مثلاً بالأدب والحياء حتى يتفاعل معها الجمهور بتعليقات سخرية وتَمرّ مرور الكرام دون أن نقف على سؤال جوهري . هل نحن انحرفنا أم المجتمع انحرف فينا ؟
جميعنا يعلم بأن التصرفات الفردية والسلبيات الشخصية لا تُمثل المجتمع بكامله ، لكن للأسف انعكست تلك التصرفات الوسلوكيات المخلة بالحياء على المجتمع بسبب من يصنع من السذاجة حديث لسان الناس مثل فديو "علاء" و"جلال الزين" والعميد " وغيرهم من الأسماء . اللذي أصبح موضوعهم حديث الناس وكأنما الحدث هو مفخرةُ للمجتمع او حدث ثقافياً يمثل انجازاً علمياً او تاريخياً حتى تعجّ مواقع التواصل بتلك السخافات ,
نحن اليوم لا نستهلك "الترندات" فحسب، بل نصنع من العدم نجوماً، ومن القبح قدوات. لقد تسللت السذاجة لتنخر في جسد المجتمع، محاولةً بعبثية مفرطة قلب الموازين؛ لتجعل من الأدب سفاهة، ومن البذاءة فنّاً، ومن الوقاحة جرأة. والأخطر من ذلك هو "تطبيع القبح" تحت ذريعة الاستسلام للواقع، وتبرير السقوط بعبارة "الجميع يفعل ذلك"، حتى وقفنا على شفا حفرة من الضياع الأخلاقي.
إن تفاعلنا مع المقاطع المخلة بالحياء—سواء لمشاهير أو فنانين كان من المفترض أن يكونوا سدنةً للذوق العام—حوّل الخزي إلى "مادة للفكاهة" والسخرية، متناسين السؤال الجوهري: هل انحرفت بوصلتنا، أم أن تيار المجتمع جرفنا معه؟
إن الفردية في الخطأ لا تعفي المجموع من المسؤولية؛ فنحن من نمنح هذا المحتوى بالانتشار تحت شرعية الحضور من خلال المشاركة، والتعليق، والمتابعة. نحن من نصنع من "علاء" أو "جلال" أو العميد أو غيرهم من الأسماء العابرة حديثاً للمجالس، وكأننا أمام منجز علمي أو فخر تاريخي، بينما يغرق العلماء والمفكرون في عتمة النسيان لأنهم لم يسلكوا دروب "تيك توك" والترندات
إن فضاء "السوشيال ميديا" لا يصاع بالقوانين وحدها، بل تقوده اليقظة الفكرية والتثقيف الجذري. العيب فينا حين نقتات على الفضائح ونُسهم في تدوير السخف.
إن العار بيّن والوقار بيّن، والمسؤولية اليوم تقع على عاتق كل من يحمل قلماً أو فكراً لنشر العلم والمعرفة، صوناً للأجيال القادمة التي كادت تفقد القدرة على التمييز بين بهجة الحياءوعتمة الخزي.
ذواتنا هي المسؤولة عن ترميم جدار المجتمع، فالحضارة تبدأ من تهذيب النفس قبل تشريع القوانين.