الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هل هي مذكّرات… أم مُخدِّرات للوعي العام؟


هل هي مذكّرات… أم مُخدِّرات للوعي العام؟

محمد علي محيي الدين

 

أصبحت المذكرات، بوصفها جنسًا أدبيًا وتوثيقيًا، واحدة من أكثر الأشكال الكتابية حضورًا في المشهد الثقافي والسياسي المعاصر. فقد درج على كتابتها رجال الأدب والفكر، كما خاض غمارها الساسة والقادة العسكريون، كلٌّ منهم يقدّم روايته الخاصة لمسيرته وتجربته وما شهدته من أحداث وتحولات. وفي العقود الأخيرة، شهد هذا الفن طفرة لافتة، لا سيما في العالم العربي، حيث تسابقت الشخصيات العامة إلى نشر مذكراتها، وغالبًا بعد انقضاء مواقعها في السلطة أو خروجها من دائرة القرار.

من حيث المبدأ، تمثّل المذكرات مادة مهمة للباحث والقارئ على حد سواء، إذ تتيح الاطلاع على كواليس الحكم، وآليات اتخاذ القرار، وما يدور خلف الأبواب المغلقة. غير أن هذه الأهمية سرعان ما تتبدد حين يجد القارئ نفسه أمام روايات متناقضة للحدث الواحد؛ فكل صاحب مذكرات يقدّم نسخة مختلفة من التاريخ، ويصوغ وقائع المرحلة وفق زاوية نظره، أو وفق ما يريد أن يرسّخه في الذاكرة العامة.

وفي خضم هذا التضارب، يضيع القارئ بين سرديات متباينة، لا يجمعها سوى ادعاء امتلاك الحقيقة. فشركاء الأمس في القرار يتحولون، على صفحات المذكرات، إلى خصوم في الرواية، وكلٌّ منهم يبرئ نفسه، ويلقي بأعباء الإخفاق على الآخرين، وكأن القرارات المصيرية كانت تُتخذ من دون مشاركة جماعية، أو كأن الكاتب كان حاضرًا جسدًا وغائبًا موقفًا.

والإشكال الجوهري هنا أن المذكرات، في أصلها، ليست ساحة لعرض المواقف السياسية المتأخرة، ولا منبرًا لتصفية الحسابات أو إعادة كتابة التاريخ بما يخدم صورة الكاتب. فالمذكرات الحقيقية هي تسجيل للأحداث كما وقعت، لا كما يُراد لها أن تُروى لاحقًا. وهي مطالبة، أخلاقيًا وتاريخيًا، بالالتزام بحدٍّ أدنى من الموضوعية، وبعرض الوقائع بملابساتها الكاملة، بما لها وما عليها.

غير أن كثيرًا من كاتبي المذكرات يقعون في فخ “الذاكرة الانتقائية”، فيستحضرون ما يبرّئهم، ويتجاهلون ما يدينهم، ويصوّرون أنفسهم معارضين لقرارات كانوا جزءًا من صناعتها. ومهما بدا هذا الادعاء مقنعًا في ظاهره، فإنه يظل بلا قيمة توثيقية ما لم يُدعَم بأدلة مكتوبة، كأن يكون الكاتب قد قدّم مذكرة رسمية، أو سجّل اعتراضًا موثقًا، أو طرح رأيًا مكتوبًا يمكن الرجوع إليه.

أما في غياب مثل هذه الوثائق، فإن الكاتب يُعدّ شريكًا كاملًا في القرار، لا شاهدًا عليه فحسب. فمعظم القرارات الكبرى تُتخذ ضمن مؤسسات واجتماعات رسمية لها محاضر وتوصيات، وكان الأجدر بكاتب المذكرات أن يشير إليها، أو يذكر سياقها، أو يوضح موقعه الحقيقي منها. وإلا فإن إنكار المسؤولية بعد سنوات لا يعدو كونه تنصّلًا متأخرًا، أو محاولة لتبرير أخطاء شارك في صنعها.

ورغم القيمة المعرفية التي يمكن أن تقدّمها المذكرات، فإنها لا تُعدّ، في ميزان البحث التاريخي، وثيقة قاطعة أو دليلًا نهائيًا. فالمؤرخ يتعامل معها بوصفها شهادة ذاتية، تعبّر عن رؤية فردية، ولا يكتسب مضمونها المصداقية إلا إذا توافقت مع وثائق رسمية، أو انسجمت مع روايات أخرى مستقلة، أو حظيت بإجماع من معاصري المرحلة أو المشاركين في أحداثها.

وتزداد خطورة الأمر حين تتحول بعض المذكرات إلى أداة لتبرير قرارات مصيرية كان لها أثر بالغ في رسم سياسات الدول، أو في تغيير مصائر الشعوب. فبدل أن تكون المذكرات مساحة للمراجعة الصادقة والنقد الذاتي، تتحول أحيانًا إلى خطاب دفاعي، يسعى إلى تلميع الصورة الشخصية، أو تحميل الآخرين تبعات الفشل.

بل إن بعض هذه الكتابات لا تكتفي بالتبرير، بل تنزلق إلى مغالطات صريحة وتشويه متعمد للوقائع، في محاولة لتضليل الرأي العام، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي بما يخدم سردية واحدة. وهنا تفقد المذكرات معناها الحقيقي، وتخرج من إطار التوثيق إلى مجال التلاعب، فلا تعود مذكرات بالمعنى العلمي أو الأدبي، بل تتحول إلى ما يشبه “المُخدِّرات” الفكرية، التي تُغيّب الوعي، وتطمس الحقيقة، وتقدّم للقارئ تاريخًا مُسكِّنًا لا تاريخًا مُستنيرًا.

ومن هنا، تبرز الحاجة إلى قراءة نقدية واعية لهذا السيل من المذكرات، لا بوصفها حقائق نهائية، بل باعتبارها روايات تحتاج إلى تمحيص، ومقارنتها بالمصادر الأخرى، وفهم السياق الذي كُتبت فيه، والدوافع التي تقف خلفها. فالتاريخ لا يُكتب من شهادة واحدة، والذاكرة الوطنية لا ينبغي أن تُختزل في رواية من كان في موقع السلطة، بل في مجموع الروايات والوثائق التي تقترب، مجتمعة، من الحقيقة.


مشاهدات 93
الكاتب محمد علي محيي الدين
أضيف 2026/01/31 - 4:09 PM
آخر تحديث 2026/02/01 - 7:44 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 232 الشهر 232 الكلي 13931876
الوقت الآن
الأحد 2026/2/1 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير