إذاعة قصر الزهور تنافس الاذاعة العراقية
جواد الرميثي
يمكن ان يحدد البث الرسمي للاذاعة العراقية عند تأسيسها هو في 7 تموز 1936 والتي كانت تابعة انذاك الى وزارة المعارف عدا الشؤون الفنية التي تشرف عليها مديرية البرق والبريد العامة ، وهي ثاني محطة اذاعية في الوطن العربي بعد اذاعة القاهرة ، وفي ذلك العام كان الجو السياسي مكهربا ، فهناك القضية الفلسطينية من جهة وتردي العلاقات بين العراق وبريطانيا من جهة اخرى .
كان الملك غازي ( ثاني ملوك العراق 1912- 1939) يرى ان الإذاعة الرسمية وهو يتابعها بدقة لا تفي بالمرام من الناحية السياسية والقومية ، وهو المتحمس والطموح وشديد الاهتمام بالإذاعة ، لذا قام بتأسيس اذاعة خاصة في قصر الزهور ينافس بها إذاعة الحكومة .!!
مطار مدني
يعود افتتاح محطة إذاعة قصر الزهور إلى عام 1936، حينما علم الملك بأن مهندسا عراقياً أسمه طالب رفعت كان يعمل موظفا في المطار المدني قد قام بعمل محطة إرسال لاسلكي , والاتصال بهواة اللاسلكي في أوربا .
بعد عرض المهندس طالب المحطة للملك ، وكانت محطة بدائية وبسيطة , لاقى التشجيع والدعم من الملك , وتمكن خلال مدة بسيطة من الاتصال ببعض الهواة وأولهم في بولندة, وقام بتطويرها تدريجيا بعد أن قام البلاط الملكي باستيراد أدواتها من الخارج من الخزينة الخاصة .
نصبت أجهزة مرسلات اللاسلكي لأول محطة لإذاعة قصر الزهور في قاعة (السينما القديم في قصر الزهور) , ليمارس الملك أثناء فراغه هوايته (المراسلات اللاسلكية) يوم الخامس عشر من حزيران 1936، وعد ذلك اليوم هو اليوم الرسمي لتأسيس الإذاعة ، ولم يكن في الحسبان استعمالها كإذاعة ، وحصل لتلك الإذاعة على موجة دولية من اتحاد البث اللاسلكي العالمي في سويسرا، وسجلت في جمعية هواة اللاسلكي بأمريكا كمحطة هواة , بأسم YounG IRAQ 5 KING Chazi.(العراق الحديث رقم 5 الملك غازي) .
كانت تلك الإذاعة في بدايتها تبث الموسيقى فقط على موجتين مخصصتين للهواة في عالم اللاسلكي وهي الموجتين 21 م و42 م. ولم يكن لها طابع سياسي أو دعائي , وقد اهتم الملك غازي بمتابعتها, وتطويرها وتحسينها.
بعد مدة طلب الملك تحويلها إلى اذاعة خاصة (سرية) وأعطاها أسم (اذاعة قصر الزهور) وأصبحت تبث الأغاني والأخبار والمحاضرات العسكرية وإعادة اذاعة بعض المواد التي تذيعها اذاعة بغداد , دون التطرق إلى الأمور السياسية , فذاع صيتها وسمعت في كافة الأقطار العربية وبعض الدول الأوربية ، وبذلك أصبحت أول إذاعة في العالم كله تخترق الالتزام المقرر لها كإذاعة هواة لاسلكي ، وبدأت تجتذب المستمعين لها من الشعب العراقي ، لأنها كانت اذاعة متحررة من قيود الرقابة الحكومية الموضوعة على اذاعة بغداد , لذا فقد اكتسبت اذاعة قصر الزهور أهمية خاصة من لدن الأوساط القومية وحظيت برامجها بتأييدهم ، لاسيما لمناهجها الممتازة , إذ كان منهاجها اليومي يرضي المستمعين لتنوعه وتجدده على الدوام , كما أن أدارة محطة اذاعة قصر الزهور أصدرت مجلة بعنوان (مجلة راديو قصر الزهور) وهي مجلة ثقافية شهرية, ضمت أبواب عدة من الفن والأدب والعلم وصدر منها (7) أعداد ، ومما دلل على أن إدارة المحطة المتمثلة بالملك غازي درست أذواق المستمعين ورغباتهم وحرصت على تقديم ما يريحهم وينال رضاهم , والتي تفتقر إليها إذاعة بغداد .
كانت أذاعه قصر الزهور تذيع للمدة من قبل الظهيرة إلى قرابة منتصف الليل وتسمع بوضوح في جميع أرجاء العراق ، في الوقت الذي كانت اذاعة بغداد لا يتجاوز وقت بثها أكثر من أربع ساعات .
يتضح أن الهدف الأساس للملك غازي من تأسيس الإذاعة في بادئ الأمر , ليس سياسيا بل لمجرد المراسلة مع الهواة في أوقات فراغه , والتعبير عن رأيه بعيدا عن القيود التي تفرضها الحكومة على اذاعة بغداد ، إلا أنه وبتطور الأوضاع والظروف نهضت فيه مبادئه القومية (ولاسيما بتأثره بالضباط الذين كانت تجمعهم مع الملك الغايات، والأهداف نفسها) , ومما لاشك فيه ان كتلة الضباط القوميين عملت على أقناعه باستعمال الإذاعة وبالشكل الذي يخدم مصالح ومطالب العرب القومية .
كان الملك يرى في الإذاعة الرسمية وهو يتابعها بدقة بانها لا تفي بالمرام من الناحية السياسية والقومية, فأخذ بمنافسة اذاعة بغداد ومنها على سبيل المثال:
ترتيب المناهج
إنَّ اذاعة بغداد كانت تذيع نشرة الأخبار في الساعة الثامنة مساءاً, فأصبحت اذاعة قصر الزهور تذيع الأخبار في الساعة الثامنة إلا ربع وهي نشرة مفصلة غير مسؤولة .
وجد الملك أنَّ تلك الإذاعة لا تفي بما يريده ، فأمر بنصب محطة ثانية وتم ذلك يوم20 كانون الأول 1937, وأعد لها منهاجاً على غرار مناهج دار الإذاعة اللاسلكية للحكومة العراقية (إذاعة بغداد) , أي أن وزارة المعارف هي التي تقوم بوضع وترتيب المناهج لتلك المحطة ، فأخذ المستمعون العراقيون في كل ليلة يستمعون إلى مناهج الإذاعة التجريبية , ومناهج دار الإذاعة بصورة منتظمة , الأمر الذي لم يقتصر على بث الاسطوانات فحسب ، بل تذاع القصائد والأغاني , ودفع ذلك النجاح الذي حققته الإذاعة بالملك إلى توسيعها فامر بنصب محطة ثالثة تعادل قوتها قوة المحطتين السابقتين, وتم انجازها يوم(20)نيسان 1938.
كان الملك يتوخى من إنشاء الإذاعة (بث الأحاديث الدينية والأخلاقية والتهذيبية وتثقيف شعبه الباسل وتعليمه وتدريبه على نظام الفتوة الذي كان الملك مؤمنا بمبادئ نادي المثنى حتى انه كان يذيع بعض الخطب التي يلقيها الخطباء في اجتماعات النادي ) ، اهتم الملك غازي بتلك الإذاعات وقام بالإشراف عليها بنفسه , كما كان يذيع فيها , دون ذكر اسمه , ويعد البرامج ايضا .
عمل الملك غازي لوحده في اعداد وتقديم البرامج والأغاني الخاصة باذاعته ، وكانت في بداياتها تبث الأغاني على الهواء ، ومن بين المطربين الذين قدموا اغاني في الإذاعة:
صالح الكويتي وفرقته الذين كانوا يعملون في اذاعة بغداد ، اذ طلب منهم الملك غازي ان يعملوا في اذاعة قصر الزهور مرتين في الأسبوع ، وعبر عن اعجابه بادائهم وعملهم ، وقام باهداء ساعة من الذهب الخالص الى الفنان صالح الكويتي منقوش عليها التاج الملكي مع توقيعه تقديرا واعجابا بهم ، وكان ايضا من بين
المطربين الذين قدموا الأغاني في الإذاعة ، محمد القبانجي و حضيري ابو عزيز إضافة الى تقديم الإذاعة للأخبار والروايات العالمية والمحاضرات العسكرية
وإعادة بث الفقرات التي تذيعها اذاعة بغداد بدون طابع سياسي .
كان يونس بحري هو أول مذيع في اذاعة قصر الزهور ، وعن طريق
الإذاعة يعبر بحري بصوته عن اراء الملك غازي ، كما استطاع الاخير ان يعبر عن آرائه من خلال تلك الإذاعة بصوت يونس بحري .
كان الملك غازي مهتما بمحطة اذاعته الخاصة في قصر الزهور ، اذ اتخذ منها وسيلة لنشر آرائه وافكاره في السياسة الداخلية والخارجية للعراق واداة ليعارض من خلالها اتجاهات الحكومات العراقية التي تتعاون مع الإنكليزوالتخلص من الاستعمار، والذي ساعد الملك غازي على تلك التصرفات، بانه كان مصونا وغير مسؤول ولا يمكن للمندوب السامي البريطاني ان يتدخل في شؤونه الخاصة وكذلك لم يكن له سلطة رسمية على البلاط الملكي ، باعتباره مندوبا ساميا والعراق تحت الوصاية البريطانية .
أستعان الملك بعدد من الشباب الذين يعتنقون الفكر القومي للعمل في اذاعته الخاصة ، وكان حسين اسماعيل المذيع الخاص بالإذاعة ، ومن المتحدثين البارزين في الاذاعة: حمدي الاعظمي ومحمد الهاشمي ومحمود لطفي وحسين احمد والحاج نعيم الدين والدكتور فؤاد غصن بالإضافة الى يونس بحرى ، اما ملاحظ االذاعة فقد كان علي بن عبد اللة .
عمل الملك غازي على تحسين وتطوير اذاعته الخاصة في قصر الزهور واصبحت تلك المحطة تبث موادها على موجة قصيرة طوليا ( 40 ، 49 ) مترا في بدايتها ثم أصبحت تعمل بشكل جيد من حيث درجة وضوح بثها التام بالنسبة للمستمعين وخاصة اثناء سماعهم للاسطوانات التي تبثها تلك الإذاعة ، حتى تفوقت على اذاعة بغداد ، التي تعاني من ضعف قوتها ووجود الضوضاء فيها ، وبمرور الوقت ادخلت عليها بعض التحسينات حتى اصبح بثها على موجة طوليا 49 متر
وبذبذبة قدرها 4،1 ميكا سايكل وقوتها تقدر نصف 0،5 كيلو واط .
تعد محطة اذاعة الزهورالثانية في بدايات الإذاعة الموجهة في العراق حينما بدأت تذيع باللغة الإنكليزية للمستمعين الأجانب ، وكان الملك غازي يخصص جزء من وقته في ملاحظة وتتبع البث الإذاعي لاذاعة قصر الزهور سواء في داخل العراق أو خارجه واتضح ذلك الاهتمام بالإذاعة من قبل الملك من خلال رسائل المستمعين في خارج العراق التي كانت تصل الى العراق يشيرون فيها بانهم يستمعون الى اذاعة قصر الزهور بوضوح ، وان تلك الرسائل التي وصلت كانت من دول اجنبية عدة ، منها انكلترا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والمانيا وجيكوسموفاكيا والدنمارك وبلجيكا وهولندا ، إضافة الى متابعتها من قبل سكان الكويت وامارات الخليج والتميز في الإستماع إليها وعلى الموجة القصيرة لما تبثه الإذاعة المذكورة من المحاضرات والحفلات الغنائية .
يذكر ان الزعيم الالماني هتلرأهدى محطة إذاعة إلى الملك غازي ليبث من خلالها ، وكان ترتيب تلك المحطة يحمل ( الرابع ) من ضمن محطات قصر الزهور, أي إن الملك يمتلك ثلاث محطات قبلها ، وقام بتنصيب تلك المحطة الأخيرة خبراء ألمان .