عند أول خيط من الفجر : سيمفونية الطيور التي تفتح العيون وتحيي الأرواح
رافد حميد فرج القاضي
عند بزوغ الفجر حين يبدأ الضوء الباهت يتسلل بين أشجار الحيّ وبين أسطح البيوت، يحدث شيء لا يراه إلا من يصغي بعمق، شيء يشبه السحر أو لحظةٍ نادرة من الصفاء المطلق إنه صوت الطيور، تلك الكائنات الصغيرة التي، رغم حجمها الهزيل تمتلك قدرة عجيبة على تحويل الصمت القاتل للليل إلى لحن حيّ يملأ السماء والروح معًا. الطيور لا تغني بالمعنى البشري فهي لا تعرف الكلمات، لكنها تعرف أكثر من ذلك : تعرف كيف تُغني القلب قبل الأذن وكيف تُنقل شعور الأمل في كل نغمة تصدرها.
في تلك اللحظة كل شيء يبدو كما لو أنه يستيقظ من سبات طويل ويغني العصفور على أغصان الشجر تتردد صدى أنغامه بين الجدران وكأن الحي كله يستمع إلى موسيقى لم تُسجَّل بعد ويصعد الطائر بخفة يفتح جناحيه ويخرج صوتًا يشبه الهتاف الصامت غناءً مفعمًا بالحرية والفرح والحنين وفي زاوية أخرى من الحديقة تغني الحمائم، أصواتها متماسكة، ثابتة كأنها تذكرنا بالسكينة وبالبدايات البطيئة للنهار تهمس للزهور وللأرض الرطبة بأن الوقت قد حان للحياة.
ليس كل الطيور متشابهة في غنائها بل لكل واحدة قصتها الخاصة، ونغمتها الفريدة التي تحملها عبر الأزمان بعض الطيور تبدأ بعزف مقطوعة قصيرة سريعة ومرحة، تشبه قفز الأطفال على الحصى، بينما الطيور الأخرى تُطيل أنغامها، تنسج الحنين والشوق في الهواء، فتشعر وكأنها تقول للعالم : "ها هو يوم جديد، كل شيء ممكن، كل شيء يستحق المحاولة".
الغريب أن هذه السمفونية ليست منظمة بعقل بشري، فهي لا تتبع قواعد الموسيقى المعروفة، لكنها أعمق من كل التواقيع الموسيقية، لأنها تولد من الفطرة ومن روح الطبيعة نفسها. عندما تتناغم أصواتها، يبدو وكأن الكون كله يشاركها الغناء، حتى الرياح حتى أوراق الأشجار، حتى أشعة الشمس التي تشرق بتؤدة، وكأنها تستمع قبل أن تلمس الأرض.
وبينما الناس ما زالوا في منازلهم أو يسيرون على عجلة الحياة، هناك من يفتح نافذته ليجد نفسه مشدودًا لصوت الطيور وقد يبدأ يومه بالاستماع فقط، ثم يبدأ يومه بالأمل، ويصبح كل شيء حوله أكثر وضوحًا، أهدأ وأكثر إشراقًا وتلك الأصوات البسيطة، التي قد يغفلها الكثيرون تحمل معاني عظيمة : الانطلاق، الحرية، البدايات الجديدة، والأمل الذي يتجدد كل صباح بلا استثناء.
في الغابات، تتضاعف السيمفونية، فالطيور هنا أكثر، والطبيعة أكثر عمقًا، وكل صوت ينسج مع الآخر كأنما الكون نفسه يعزف على آلة خفية ربما هناك طائر لا يسمعه أحد إلا نفسه، وربما هناك آخر يختبئ خلف الأوراق ليغني، لكنه يغني كما لو أن العالم كله يستمع إليه، وكأن كل نغمة تقول : "تذكر أنك حي، وتذكر أن كل يوم فرصة جديدة".
حتى الفجر نفسه يبدو مترابطًا بأغانيهم. مع كل خيط ضوء يظهر على سطح الأرض يرتفع صوت الطيور، يزداد قوة وحيوية ويخلق إحساسًا بالانسجام بين الإنسان والطبيعة ربما لهذا السبب يشعر الإنسان بالسلام عند الاستماع إليها، حتى لو كان قلبه مثقلًا بالهموم. فهي تذكّره بأن الحياة تستمر، وأن الجمال موجود في أبسط التفاصيل، وأن النغمة الواحدة، مهما كانت صغيرة، قادرة على إعادة ترتيب العالم كله.
وعندما يبدأ النهار بالتمدد، ويبدأ الناس بالخروج، تبقى هذه الأغاني محفورة في الذهن، كما لو كانت رسالة سرية من الطيور إلى الإنسان: "انظر، كل شيء يبدأ من جديد وكل يوم يحمل وعدًا جديدًا، لا تفقد الأمل ولا تغلق أذنك عن أصوات الحياة".
الطيور عند الفجر ليست مجرد أصوات، بل هي مرآة الروح هي موسيقى الطبيعة البكر التي ترفض أن تُمحى هي الشعور بأن العالم جميل رغم كل شيء. من يسمعها يعرف أن الغناء ليس كلامًا فقط بل هو حياة، هو نور هو بداية كل شيء.
وفي النهاية، حين ينسدل الليل مرة أخرى ويختفي ضوء الفجر خلف ستائر النهار يبقى صدى أغاني الطيور في القلب والذاكرة، كأنه توقيع سرّي من الطبيعة على كل يوم جديد عشنا فيه، كأنه رسالة خفية تقول للإنسان: "تذكر أنك جزء من هذا الكون، تذكر أنك لا تمشي وحدك في صمت الحياة". الطيور عند الفجر لم تغنِ لأحد بعينه، ولم تنتظر ثناءً أو اهتمامًا، بل غنّت لأنها تعرف أن الغناء نفسه حياة، وأن كل صوت ينبعث من قلبها يعيد ترتيب الكون من جديد، يعيد ترتيب الإنسان نفسه.
وإذا جلست لتستمع، حتى ولو للحظة قصيرة، ستجد في هذا الغناء ملاذًا من الضوضاء الداخلية، ستجد فيه حكايات لم تُروَ بعد، وستشعر بأن قلبك يتسع وأن روحك تتنفس بحرية، بعيدًا عن قيود الحياة اليومية وضغط الأيام المتكررة وفي كل نغمة طائر في كل تغريدة صغيرة، هناك درس خفي : أن الجمال لا يُقاس بالضخامة وأن الأشياء الصغيرة هي التي تُحدث فرقًا كبيرًا، وأن البداية دائمًا ممكنة مهما كان الليل طويلًا والظلام كثيفًا.
الطيور عند الفجر تمنحنا الهدوء بينما تعلّمنا القوة، تمنحنا الأمل بينما تذكرنا بالتحرّر تمنحنا الألحان بينما تُغني الصمت وهي تذكّرنا أن الحياة مهما بدا أنها مليئة بالفوضى لا تزال ترتب نفسها بطريقة سحرية بطريقة لا يفهمها إلا من يصغي بصمت من يفتح قلبه قبل أذنه من يقدر أن يسمع ما وراء الكلمات وما وراء الأصوات ما وراء كل شيء.
وإذا ذهبنا أبعد من ذلك، سنفهم أن هذه الأغاني ليست مجرد حدث يومي، بل هي درس في الصبر والمثابرة، في الوفاء للبدايات الجديدة، في قدرة كل كائن حي على ترك أثره في العالم مهما كان صغيرًا كل صباح، وكل تغريدة، وكل نغمة هي بمثابة تأكيد أن الحياة لا تتوقف، وأن الوقت لا ينتظر أحدًا، وأن الأمل يولد دائمًا في كل بداية، حتى في أصغر التفاصيل.
وفي لحظة واحدة، عندما يغلق الإنسان عينيه ويستمع بعمق، يشعر بأن قلبه أصبح جزءًا من هذا الكون الموسيقي وكأن كل همومه، كل مشاكله، كل خوفه، أصبحت أصغر حجمًا أمام سيمفونية الطبيعة، أمام هذا الحوار العذب بين الضوء والصمت والطيور، أمام الحقيقة البسيطة: أن الحياة في أصدق صورها، موسيقى تُغنّى دائمًا وأن الفجر ليس مجرد ضوء، بل وعد، وأن الطيور ليست مجرد طيور، بل رسل الأمل وأن الإنسان، مهما غرق في ضجيج العالم يستطيع دائمًا أن يسمعها إذا أراد وأن يغني معها ولو بصمت قلبه فقط، ليبدأ يومه من جديد، خفيفًا، حرًا، مستعدًا للحياة من جديد، كما لو كان الفجر لأول مرة، كما لو أن كل يوم يحمل فرصة جديدة وكل يوم هو بداية لموسيقاه الخاصة التي لا يعرفها أحد سواه لكنها تتناغم مع كل شيء حوله.