الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بين النص والممارسة : الديمقراطية العراقية

بواسطة azzaman

بين النص والممارسة : الديمقراطية العراقية

شهد محمد موسى 

 

هل يكفي وجود دستور ديمقراطي لضمان ممارسة ديمقراطية حديثة؟

لم تعد الديمقراطية ف العراق مجرد خيار سياسي, بل أصبحت المسار الوحيد الممكن بعد فشل جميع الأنظمة التي تعاقبت

 على البلاد,

غير أن الإشكالية الحقيقية لا تكمن ف تبنّي الديمقراطية كنظام حكم بل في كيفية فهمها وتطبيقها وهل تحولت فعلاً ألى ممارسة مؤسسية أم بقيت في إطار الشعارات ….

يعتقد كثيرون أن الديمقراطية تعني فقط حرية التعبير وإبداء الرأي, بينما الحقيقة أنها منظومة متكاملة تقوم على حدود دستورية

واضحة, وتنظيم دقيق للعلاقة بي السلطات, واحترام القانون بوصفه المرجعية العليا , فالديمقراطية بلا دستور فاعل تتحول إلى فوضى ، وبلامؤسسات قويةتصبح إداة بيد القوى السياسية ولا وسيلة لحماية المجتمع

حداثة التجربة وسوء تأويل الحرية السياسية

إن التجربة الديمقراطية ف العراق لا تزال فتية, وتعاني مما يمكن تسميته بـ»أمراض الطفولة«, حيث اختلط مفهوم الحرية السياسية

بالرغبة ف فرض الإرادات الحزبية, واعتُبر الفوز الانتخابي تفويضًا مطلقًا للتصرف بعيدًا عن الدستور والعملية السياسية. وهذا

الفهم الخاطئ أدى إلى إضعاف مؤسسات الدولة, ولا سيما السلطة التشريعية التي تُعد أساس النظام البرلماني.

فالبرلمان, بوصفه ممثلاً لإرادة الشعب, يفترض أن يكون مركز الفعل الديمقراطي, إلا أن تغيّب عدد من النواب وضعف الأداء

التشريعي والرقابي, أفرغ التجربة الديمقراطية من مضمونها, إن تعطيل البرلمان أو تسييسه لا يمس مؤسسة واحدة فحسب, بل

يهدد جوهر النظام الديمقراطي بأكمله.

ومن أخطر التحديات التي تواجه الديمقراطية العراقية اليوم, ظاهرة ازدواجية الدولة واللا دولة, حيث تتحرك بعض القوى خارج

الإطار الدستوري, مما يخلق مسارين متوازيي لا يمكن أن يستمرا معًا. فالدولة لا تُبنى إلا عبر مسار واحد, هو مسار الدستور,

وأي تحرك خارجه يؤدي بالضرورة إلى إضعافها وتقويض شرعيتها.

من الصدام إلى التفاهم : مسار بناء الاستقرار

إن معالجة هذه الإشكالية لا تكون عبر الصدام, بل من خلال الحوار القائم على أساس دستوري واضح, يهدف إلى دمج جميع

الفاعلين ضمن إطار الدولة ومؤسساتها. فقد أثبتت تجارب دول عديدة أن الوصول إلى الاستقرار السياسي لا يتحقق إلا عبر

التفاهم والاندماج, لا عبر الإقصاء أو الفرض بالقوة في هذا السياق, تبرز أهمية بناء الديمقراطية بوصفها قوة ناعمة, تعتمد على الاستقرار السياسي, وتفعيل المؤسسات, وتحسين

الواقع الاقتصادي, وتعزيز العلاقات الخارجية المتوازنة. فالديمقراطية ليست شأنًا داخليًا فحسب, بل عنصر أساسي ف حماية

الدولة وتعزيز موقعها ف محيط إقليمي ودولي معقّد.

هل الازمة عراقية أم بنيوية ؟

يطرح علي الوردي ف كتابه مهزلة العقل البشري تساؤلاً جوهريًا حول إخفاق الديمقراطية في المجتمعات الانتقالية, مرجعًا ذلك إلى

استمرار العقلية التقليدية وسيطرة منطق »الحق المطلق« الذي لا يقبل الاختلاف.

لماذا لم تنجح الديمقراطية ف بلادنا أو ف بلاد أمريكا الجنوبية أو ف جزائر الهند الشرقية والغربية مثلاً, ما دامت الأسلحة الحديثة والطباعة الحديثة

قد توافرتا فيها?

الجواب على هذا يقتضي أن نفهم طبيعة مرحلة الانتقال التي تمر بها هذه البلاد, إذ هي تمر اليوم بنفس المرحلة التي مرت بها البلاد الراقية في

مفتتح القرون الحديثة

فالناس هنا لا يزالون يعيشون بعقلية القرون القديمة, ويسيطر عليهم المنطق القديم, منطق الحق المطلق الذي يحتكره فريق من الناس

دون فريق

فإذا قلت لأحدهم ))إنّك مخطىء(( ظنأنك تقول له ))إنك غبي(( وهو قد يشهر الخنجر ف وجهك أو قد

يغمده ف بطنك; وهو إذا لم يفعل ذلك تأدباً أضمر لك حقداً لا ينساه حتى ينتقم منك

لقد كان الإنكليز مثلنا قبل قرني أو ثلاثة, ولكنهم اعتادوا على هذه الديمقراطية بعد أن مرت عليهم سلسلة من التجارب القاسية

فالديمقراطية عادة اجتماعية قبل أن تكون فكرة طوبائية, ونحن نحتاج إلى ممارسة هاتيك التجارب القاسية جيلاً بعد جيل, فنقوم بها

ونقع عدة مرات, حتى يتغلغل منطق الديمقراطية ف صميم مفاهيمنا وتقاليدنا, وعندئذٍ نخرج من قوقعتنا الفكرية القديمة إلى عالم

واسع يكون فيه التنازع والتعاون صنوين لا يفترقان .

إن التعجل ف الحكم على نجاح او فشل الديمقراطية لا يمكن تقييمة من خلال عقود زمنية محدودة , إذ ان العقد لا يتجاوز العشر سنوات , وان القرن الذي يمتد لمئة عام , لايعُد سوى لحظة عابرة ف تاريخ الشعوب.

ختامًا, إن الديمقراطية ف العراق ليست طريقًا سهلاً, لكنها الطريقة الوحيدة الممكنة, وكل تأخير ف تطبيق الدستور و تحويلة إلى قوانين لاستمرار ف العمل خارج الإطار المؤسسي, يدفع البلاد خطوة إضافية ف الاتجاه الخاطئ. إن بناء دولة ديمقراطية حقيقية يتطلب إرادة سياسية, ومؤسسات قوية, وإيمانًا بأن لا بديل عن الدولة, ولا شرعية خارج الدستور.

 

الديمقراطية ليست حالة تمُنح , بل مسار يبنى , وأي محاولة لاختصار هذا المسار محكومة بالفشل.

 

 

 


مشاهدات 37
الكاتب شهد محمد موسى 
أضيف 2026/01/18 - 3:05 PM
آخر تحديث 2026/01/19 - 5:27 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 196 الشهر 14060 الكلي 13121483
الوقت الآن
الإثنين 2026/1/19 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير