إستراتيجية ترامب في الشرق الأوسط.. إنسحاب ناعم مع نفوذ صارم
حسين الفلوجي
في الوقت الذي اعتاد فيه الشرق الأوسط أن يكون مسرحًا لتدخلات أمريكية كثيفة، جاءت إدارة دونالد ترامب لتقلب القاعدة: لا حروب مفتوحة باسم تغيير الأنظمة، ولا وعود كبرى بإعادة تشكيل المنطقة، ولا صبر طويل على مشاريع “بناء الدول”. بدلًا من ذلك، اختار ترامب الانسحاب… لكن دون أن يغادر المشهد. هنا تكمن المفارقة التي صنعت جوهر استراتيجية ترامب في الشرق الأوسط: تخفيف الانخراط المباشر إلى الحد الأدنى، مقابل تشديد السيطرة عبر أدوات أخرى أشد فاعلية وأقل كلفة؛ من العقوبات والتحالفات، إلى التطبيع وإعادة تعريف الأولويات. في هذا التحليل، نقرأ كيف تحوّلت واشنطن من “صانع نظام” إلى “مدير أزمات”، وكيف بُني نفوذ صارم فوق انسحاب محسوب.
واقعية بلا أوهام
المنطلق الأساسي لنهج ترامب كان قطيعة واضحة مع فكرتين هيمنتا على السياسة الأمريكية لسنوات: الأولى تفترض أن تغيير الأنظمة من الخارج ممكن ومفيد، والثانية تراهن على أن الدبلوماسية وحدها تكفي لترويض الصراعات. في المقابل، جاءت المقاربة الترامبية ببرودة سياسية تُفضّل النتائج القابلة للقياس على الوعود الأخلاقية: أمن المصالح أولًا، ثم يأتي كل شيء لاحقًا.
ضمن هذا التصور، لم يعد الشرق الأوسط “قضية قيم” أو “ساحة رسائل”، بل مساحة تُدار بعقلية تقليل الخسائر. الفكرة ليست في حل العقد التاريخية، بل في منعها من الانفجار بما يفرض على واشنطن كلفة بشرية وسياسية لا تريدها.
*الشرق الأوسط كملف قابل للضبط*
تعاملت الإدارة مع المنطقة بوصفها ملفًا ينبغي إبقاؤه تحت السيطرة لا أكثر: حضور عسكري كافٍ للردع، وانتشار محسوب يضمن القدرة على التدخل عند الضرورة، دون التورط في مستنقعات مفتوحة. هذا “الانسحاب الناعم” لا يعني الغياب، بل تغيير طريقة الحضور: من قيادة مباشرة إلى إدارة من الخلف، ومن قوات على الأرض إلى شبكة ترتيبات وشراكات. بهذا المعنى، تصبح القوة الأمريكية أقل صخبًا وأكثر وظيفية. واشنطن لا تُمسك بكل الخيوط، لكنها تُحسن اختيار الخيوط التي تُمسك بها.
نقل العبء إلى الحلفاء
أحد أعمدة الاستراتيجية كان تحويل الحلفاء الإقليميين من شركاء في السياسة إلى شركاء في تحمل العبء. فالمنطقة، وفق هذه المقاربة، يجب أن تموّل جزءًا أكبر من أمنها، وأن تتحرك ضمن هندسة أمنية تتوافق مع المصلحة الأمريكية العامة. لا يعني ذلك التخلي عن الحلفاء، بل إعادة تعريف العلاقة: دعم مقابل أدوار أوضح، وتعاون مقابل التزامات أكثر صرامة. هذه الفكرة صنعت توازنًا جديدًا: واشنطن تُقلّص كلفة القيادة اليومية، لكنها تحتفظ بحق ضبط الإيقاع حين تتسارع المخاطر.
إيران: تهديد يُدار لا معركة تُحسم
في قلب استراتيجية ترامب في الشرق الأوسط برزت إيران بوصفها “الخصم المركزي” الذي يمنح واشنطن مبررًا لبناء ترتيبات ردع وتحالفات جديدة. اللافت هنا أن الهدف لم يكن الذهاب إلى مواجهة شاملة أو إسقاط النظام، بل تقليص مساحة الحركة: حصار اقتصادي، ضغط سياسي، وتضييق على شبكات النفوذ.
الأهم أن إيران لم تكن مجرد “خصم”؛ تحولت إلى عامل تنظيمي لإعادة ترتيب المنطقة. كلما تعاظم حضورها في الخطاب، اتسعت قدرة واشنطن على جمع أطراف متباعدة تحت عنوان أمن مشترك، حتى لو كانت أولويات تلك الأطراف مختلفة في العمق.
فلسطين خارج مركز المعادلة
التحول الأكثر حساسية تمثل في إخراج القضية الفلسطينية من “قلب المعادلة” إلى هامش يمكن التحكم به. لم تعد تُقدَّم بوصفها مفتاح الاستقرار الإقليمي، بل كملف مزمن قابل للإدارة والتجميد. هذا التغيير لم يكن تفصيلًا؛ إنه إعادة رسم للمنطق الذي حكم المنطقة لعقود: بدل أن تكون فلسطين بوابة التحالفات، أصبحت التحالفات تُبنى بمعزل عنها.
وبذلك، اكتسبت إسرائيل موقع “الشريك الطبيعي” في ترتيبات أمنية جديدة، لا بوصفها طرفًا في صراع يجب حله، بل بوصفها عنصرًا في منظومة ردع وتكنولوجيا واقتصاد. أما القضية الفلسطينية، فدُفعت إلى خانة الضغط الأخلاقي والإنساني أكثر من كونها محددًا سياسيًا صارمًا.
شرعنة الاستقرار السلطوي
في الخطاب السياسي الأمريكي التقليدي، كانت الديمقراطية تُستخدم أحيانًا كغطاء أو كشرط أو كورقة ضغط. في نهج ترامب، خفت هذا الخطاب إلى حد كبير، لصالح معادلة أكثر وضوحًا: الأنظمة الحليفة تُقيَّم بميزان الاستقرار والتعاون، لا بميزان الإصلاح السياسي.
هذا التحول أرسل رسالة مزدوجة: للحلفاء، طمأنة بأن واشنطن لا تسعى إلى تغيير داخلي؛ وللخصوم، إشارة إلى أن “المعايير” ليست سلاحًا ثابتًا. النتيجة أن الاستقرار السلطوي لم يعد واقعًا مفروضًا فحسب، بل صار خيارًا مُعترفًا به ضمنيًا كشرط لتخفيف الفوضى.
التطبيع كأداة نفوذ
لم تُعامل اتفاقيات التطبيع بوصفها “سلامًا تاريخيًا” بقدر ما قُدمت كأداة سياسية وأمنية لإعادة تشكيل شبكة المصالح. الفكرة هنا ليست إنهاء الصراع بقدر ما هي بناء اصطفاف جديد يربط الأمن بالاقتصاد، ويحوّل العلاقات إلى بنية تعاون متسارعة، تقلل اعتماد الأطراف على المظلة الأمريكية المباشرة، لكنها لا تُنهي حاجتهم إلى واشنطن كضامن للتوازن.
التطبيع، بهذه القراءة، لم يكن جائزة أخلاقية ولا نتيجة مسار تفاوضي طويل، بل رافعة لإعادة توزيع الأدوار في الإقليم: اندماج اقتصادي وتنسيق أمني وتبادل تكنولوجي، يخلق واقعًا جديدًا يصعب التراجع عنه بسهولة.
*اقتصاد مشروط بالأمن*
قدمت الاستراتيجية المنطقة كفرصة اقتصادية محتملة: استثمارات، طاقة، تكنولوجيا، وشراكات جديدة. لكن هذه الرؤية كانت مشروطة بالكامل بالاستقرار الأمني. فبدل أن يكون الاقتصاد أداة لتهدئة الصراعات، صار “ثمرة” لضبطها. وهذا يعكس منطقًا عمليًا: الأسواق لا تزدهر في الفوضى، والشركات لا تستثمر في بيئات متقلبة.غير أن هذا الشرط يحمل تناقضًا جوهريًا: إذا كان الاستقرار مطلوبًا للاستثمار، فمن يضمن الاستقرار حين تُترك جذور الصراع دون معالجة؟ هنا يظهر حدّ الواقعية الصلبة: إنها تُجيد إدارة السطح، لكنها لا تقدم دائمًا حلولًا لما تحت السطح.
*ختاما:* قد يغادر الرؤساء، لكن بعض الأفكار تستقر في عمق الدولة. ما يحدث اليوم في السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط—من تقليل الانخراط المباشر، إلى رفع منسوب الردع، إلى بناء الشراكات الإقليمية وتحويل العبء نحو الحلفاء—يمكن قراءته بوصفه تفسيرًا عمليًا لما تضمنته استراتيجية ترامب في الشرق الأوسط أكثر من كونه قطيعة معها.فالنهج الذي قدّمه ترامب بوصفه (صفقة) وتقليل كلفة و”تحالفات وظيفية” يبدو أنه تحوّل إلى قاعدة عمل: منطقة تُدار بأدوات النفوذ، لا بخطابات التغيير. انسحاب ناعم في الشكل… ونفوذ صارم في الجوهر. لكن السؤال الذي يبقى مفتوحًا هو نفسه: هل يكفي ضبط الأزمات كي لا تنفجر، أم أن الأزمات حين تُترك بلا جذور تُعالج، تعود لاحقًا بأثمان أعلى؟