الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
كلام ذو شجون في (المسألة العراقية)

بواسطة azzaman

أذن وعين

كلام ذو شجون في (المسألة العراقية)

عبد اللطيف السعدون

 

قبل مئة عام ظهر مصطلح «المسألة العراقية»، كان ذلك يعني كومة مشكلات في فضاء مفتوح لم يأخذ أبعاده الجيوسياسية والاستراتيجية بعد، وضعته الأقدار في عهدة قوى فاعلة بعضها قادم من الخارج، وبعضها مقيم أو كامن في الداخل، استدعت تلك المشكلات حلولا بعضها لم يكتمل لسبب أو لآخر، ومع ذلك فقد تأسست «الدولة» على وقع تلك التعقيدات، ولحسن حظها فقد قدر لها أن تحوي رجالا مؤهلين، اختبروا السياسة، وعرفوا «مقالبها» وأعطابها إذ عملوا مع العثمانيين ومع الانجليز، وبعضهم مع الفرنسيين أيضا، وذلك في أكثر من موقع وميدان، فيصل الأول، ونوري السعيد، وجعفر العسكري، وياسين الهاشمي، وساسون حسقيل، وغيرهم ممن نذكرهم دوما بالخير والعرفان، وقد شكلوا  النخبة التي حققت الاستقلال، وبنت صرح (العراق) الذي نعرفه اليوم

دخلت الدولة الجديدة في عقدها الأول مرحلة بناء، وسعي للاستقرار، تصاعد دور الطبقة المتوسطة على نحو متسارع، وبدأت تأخذ مكانتها في الميدان السياسي على نحو بدا لاحقا وكأنه يهدد الفئات الحاكمة التي بيدها القرار، وهي الفئات التي شملت، بتصنيف اليسار، «البرجوازية الكبيرة والزعامات العشائرية ووجهاء المدن»، وعندما زادت في خمسينيات القرن مداخيل الدولة من النفط، واتسعت فئة الموظفين البيروقراطيين وضباط الجيش والخريجين حصل الاشتباك المتوقع بين رؤى وأفكار مختلفة، وشهدت الساحة صراعات فكرية تطورت الى صدامات حادة تفاعلت مع ما كان يموج به العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية من موجات تغيير وتحول على مختلف الأصعدة، وشهد الشارع العراقي موجات احتجاجات ومطالبات كانت غالبا ما تقابل بالقمع، لكن بالمقابل حرص الحكام على ادامة هامش ديمقراطي وتطويره، أحزاب، جمعيات، صحف، وخلال ذلك نشأ تحالف بين قوى المجتمع المدني من أحزاب وحركات سياسية ناشطة وبين شباب من العسكر أدركوا أن الأوان قد حان لكي يشرع بلدهم في رسم طريق جديد يتجاوز السائد، ويضخ جرعة تجديد في جسد الدولة الذي بدا مترهلا، وغير مستجيب لإيقاع العصـر.

واقعة إجهاز

وهذا ما حدث في تموز/ يوليو 1958 عندما اقترفت القوى «الثورية» واقعة الإجهاز على نظام الملوك التي كانت بدايتها مذبحة القصر المعلومة، وقرنت ذلك بإعلان «الجمهورية» التي لم يمتد عرسها أزيد من بضعة شهور إذ سرعان ما انفصمت عرى التحالف بين القوى المدنية والعسكر الذين انفردوا بالسلطة، وقادوا البلاد إلى صراعات تعرضت اثناءها «المسألة العراقية» الى سيناريوهات متعددة على يد هذه القوة أو تلك، وحمل كل سيناريو في جعبته حصته من الاستبداد والظلم والقمع الممنهج الموجه لملايين العراقيين لدرجة أن تبادل الجلادون والضحايا مواضعهم أكثر من مرة إلى أن سقطوا جميعا في قبضة احتلالين لا أقسى منهما ولا أمر.

منذ ذلك الحين أصبحت «المسألة العراقية» في عهدة قوتين غاشمتين: الولايات المتحدة وإيران، وقد تقاسمتا الهيمنة على البلاد على نحو شرير، أضحى في ظلهما العراق رهينة لكلا الطرفين، أسير توافقهما على الهيمنة عليه مرة، وعرضة لمكائدهما عندما يختلفان مرة أخرى، وانسحبت هذه التداعيات على المجتمع العراقي حيث أصابته بدوامة من انعدام الثقة، والاستياء والشلل، وبدأ النسيج البشري للمجتمع يتآكل، كما فقدت قواه المدنية فاعليتها، وتسيدت المشهد قوى هامشية وطفيلية، عميلة وتابعة، عملت على الإمساك بمعادلة «السلطة والثروة»، وعلى تأجيج العنف والعنف المضاد عبر «عملية سياسية» كرست المحاصصة الطائفية، وأغرقت البلاد في حمى الانهيار الاقتصادي والفساد، وقد فضحت الإحصائيات الموثقة مديات الأزمة حيث وصلت نسبة الذين يعيشون تحت خط الفقر 17.5 بالمئة من مجموع السكان، و74 بالمئة من خريجي الجامعة ليست أمامهم فرص عمل. هكذا هو حال العراقيين في السنوات العشرين الأخيرة، وجديده تحرك الولايات المتحدة للتصدي للحل، ربما كنوع من الاعتراف بالخطيئة التي ارتكبتها بغزو البلاد وما جرته تلك العملية من ويلات، وتحرك واشنطن المستجد هذا ليس لسواد عيون العراقيين، وانما بقصد التفرد بالإمساك بورقة «المسألة العراقية»، وسحبها من التداول بأيدي الإيرانيين، وللحصول على «السلة» العراقية التي تفيض بكل ما تفكر فيه المؤسسات والشركات ورجال الأعمال الأميركيون.

ولتحقيق هذا الهدف يعكف خبراء مختصون يقودهم ماركسافايا مبعوث الرئيس دونالد ترامب على وضع الخطوط العريضة للمرحلة الجديدة، وبالطبع فإن حكام بغداد سوف يكونون متلقين فقط لما يقرره سافايا، ومن الآن، وربما لعشرين سنة أخرى، سوف تكون «المسألة العراقية» محكومة بإرادة واشنطن وحدها، ومن دون منافس!

 

 


مشاهدات 43
الكاتب عبد اللطيف السعدون
أضيف 2026/01/23 - 3:01 PM
آخر تحديث 2026/01/24 - 1:53 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 64 الشهر 17950 الكلي 13525373
الوقت الآن
السبت 2026/1/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير