الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
شعراء المعلقات الجاهلية.. والمعلقات المعاصرة


شعراء المعلقات الجاهلية.. والمعلقات المعاصرة

عبدالكريم الحلو

 

مقدمة :

* حين جلست أمام دفاتر التاريخ ووميض الحاضر، شعرت بأنني أمام مغامرة محفوفة بالمخاطر : الغوص في بحور الشعر العربي، حيث المعلقات الجاهلية قائمة كقمم أسطورية، والنقاد يترقبون كل خطوة، وأهل التاريخ يقفون بانتظار كل كلمة.

* كان الطريق مليئًا بالتحديات، فقد يخالفني البعض، وقد يعتبرون مقارنتي بين شعراء الأمس وعصرنا أمرًا جريئاً أو حتى متهورًا.

* مع ذلك، لم أستطع مقاومة فضولي ورغبتي في فهم الشعر كحوار حي، لا مجرد أرشيف للماضي.

* أردت أن أرى كيف يمكن للمعلقات القديمة أن تتلاقى مع الشعر الحديث، وكيف يمكن لوعي القرن الحادي والعشرين أن ينظر إلى الأسطورة بعين النقد، دون أن يفقد احترامه للتاريخ.

* كانت رحلتي هذه اختيارًا واعيًا للجرأة، للبحث عن الحقيقة وسط أساطير الماضي وحداثة الحاضر، ولتوضيح أن الشعر ليس مجرد تمجيد لما مضى، بل قدرة الإنسان على التعبير والتجدد عبر العصور.

1. أساطير الصحراء : المعلقات الجاهلية

* حين نتحدث عن شعراء المعلقات الجاهلية، تتشكل في ذهننا صورة أساطير اللغة العربية : الفحول الذين امتطوا صهوة الكلمة، وأعلوا منار الشعر على أسوار الصحراء، وحفروا أسماءهم في ذاكرة العرب كما لو كانت نقشاً على الحجر الأبدي.

 

* هؤلاء بلا شك كانوا نوابغ عصرهم، فقد جمعوا بين الفصاحة والبراعة في صناعة الكلمة، وبذلوا في الحرف جهد الحياة كلها في مجتمع لم يعرف الورق بعد، حيث كانت المعرفة تُتناقل شفهياً.

 

2. التساؤل عن السيادة الشعرية

* لكن السؤال الذي يفرض نفسه :

* هل يصح أن تُمنح سيادتهم على المشهد الشعري مدى الحياة؟

* وهل يعني ذلك أن كل الشعراء الذين جاءوا بعدهم لا يستحقون لقب «معلقات عصرهم»؟

* هل يمكن اختزال قيمة الشعر في قرب شاعر الجاهلية من سوق عكاظ أو بين رمال البادية، ؟

* بينما الشعر اليوم صار مرآةً لعوالم مختلفة، وفضاءات مفتوحة على كل الثقافات والحضارات؟

 

3. الفرق بين بيئة الشاعر القديم والحديث

* إن ثقافة شاعر المعلقات كانت محدودة بالمحيط الجغرافي والاجتماعي، وباللغة التي ورثها من قبيلته.

 

* العالم بالنسبة له كان قرية مترامية الأطراف، وكل ما خارجها أشبه بالخيال أو الحكاية التي تروى في السوق.

 

* أما شاعر اليوم، فيجلس في غرفته ليطل على العالم كله : عبر الإنترنت، من خلال الصحف والمجلات، والموسيقى، والفنون البصرية، والثقافات المختلفة.

 

* يومياً يجد أمامه بحرًا من المعلومات والآفاق، لا يحتاج إلى السفر مئات الكيلومترات للوصول إلى مجلس شعري أو سوق.

 

4. مفارقة التوثيق والأسطورة

* نحن نرفع المعلقات على العرش التاريخي بلا منازع، ونعطيها أولوية عاطفية وتاريخية، بينما شعراء العصر الحديث، رغم اتساع مداركهم واحتكاكهم بالثقافات، لا يجدون من يمنحهم لقب «معلقات عصرهم».

 

* قد يكون السبب أن التاريخ يميل إلى تكريس الأسطورة، ويتهرب من تقييم العصر الحديث بمنهجية موضوعية، أو لأن الجهات الرسمية والثقافية لم تحاول توثيق أفضل مئة شاعر خلال مئة عام مضت، كما لو أن الشعر الحديث لا يستحق الذاكرة التاريخية نفسها.

 

5. الشعر كحوار مستمر عبر العصور

* لا يعني هذا بأي حال أن شعراء المعلقات أقل قيمة، أو أن ثقافتهم ضحلة.

* لقد أبدعوا بما تيسّر لهم، ورفعوا من شأن العربية وأسّسوا للفصاحة والبلاغة.

* لكن العالم اليوم أكبر، والوعي الشعري أوسع، والقدرة على الاطلاع والمقارنة بين الثقافات تمنح الشاعر المعاصر أدوات لم تكن متاحة للجاهلي، فتستحق أن يُنظر إليه، ولو بوسائل جديدة، كمعلّق لعصره.

الخاتمة:

المعلقات القديمة والمعاصرة

في فضاء واحد

* ربما الصحيح أن نرى التاريخ كساحة مفتوحة تتلاقى فيها المعلقات القديمة مع معلقات العصر الحديث، كل في مكانه وزمانه، وكل في إطار فهمه وإبداعه.

* وهكذا يصبح الشعر حواراً مستمراً عبر القرون، لا مجرد تمجيد لحقبة بعينها، بل احتفاء بالقدرة البشرية على التعبير، مهما تغيّر المكان والزمان والأدوات.

* وأنا أغلق دفاتر التاريخ، وأغوص في صفحات الحاضر، أجد طريقي إلى ضفاف الفهم والتقدير.

* لم يكن هدفي أن أزلزل أساطير الماضي، ولا أن أهمل إبداع الحاضر، بل أن أرسم جسرًا بين زمنين، حيث يمكن للقديم والحديث أن يلتقيا في مساحة واحدة من الاحترام والفهم المتبادل.

* هكذا أغادر هذه الورطة التاريخية : ليس بخفة، ولا بتجاهل ما هو مقدس، بل بوعي ومسؤولية، حاملاً معي اقتناعًا أن الشعر ليس ملك عصر، ولا حكرًا على مكان، بل هو حوار دائم، ورحلة مستمرة، تتيح لنا رؤية الإنسان وإبداعه عبر كل العصور، وفهم كيف تولد الأسطورة، وكيف يكتب الحاضر تاريخه بنفسه.

 

 

                   كاتب وناقد أدبي عراقي

 


مشاهدات 82
الكاتب عبدالكريم الحلو
أضيف 2026/01/14 - 1:33 PM
آخر تحديث 2026/01/15 - 8:11 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 234 الشهر 10965 الكلي 13118388
الوقت الآن
الخميس 2026/1/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير