إلى أين تتجه الفنون المعاصرة في العالم الآن
اسعد يوسف الصغير
لم يعد السؤال عن ماهية الفن المعاصر هو السؤال الأكثر إلحاحًا، بل صار السؤال الأعمق: إلى أين يتجه؟ ففي عالم تتسارع فيه التحولات التكنولوجية، وتتشابك فيه الأزمات السياسية والبيئية والاقتصادية، لم يعد الفن مجرد مرآة تعكس الواقع، بل صار مختبرًا يستشرف احتمالاته. إن الفنون المعاصرة اليوم تقف عند مفترق طرق تاريخي؛ فهي من جهة امتداد لتقاليد حداثية طويلة قامت على كسر الأشكال والقوالب، ومن جهة أخرى هي ابنة عصر رقمي متحوّل يعيد تعريف الإنسان ذاته.
أول الاتجاهات البارزة هو التحول نحو الرقمنة الشاملة. لم تعد اللوحة الزيتية وحدها سيدة المشهد، بل دخلت إلى الساحة وسائط جديدة: الفن الرقمي، فنون الواقع الافتراضي، الذكاء الاصطناعي، الأعمال التفاعلية، وفنون البلوك تشين و”الرموز غير القابلة للاستبدال”. هذه الوسائط لم تغيّر شكل العمل الفني فحسب، بل غيرت مفهومه. فالفن لم يعد كائنًا ثابتًا يُعلّق على جدار، بل صار تجربة حية تتفاعل مع المتلقي، وأحيانًا تتشكل بوجوده. في المعارض الكبرى اليوم، لا يكتفي الجمهور بالمشاهدة؛ بل يدخل إلى فضاءات غامرة، يلمس، يسمع، ويتحرك داخل العمل نفسه.
غير أن هذا التحول الرقمي لا يخلو من جدل. فهناك من يرى أن التقنية قد تطغى على الفكرة، وأن البهرجة البصرية قد تُغري السوق أكثر مما تُغني التجربة الجمالية. في المقابل، يدافع فنانون كثر عن هذه التحولات بوصفها امتدادًا طبيعيًا لمسار الفن، معتبرين أن كل عصر يستخدم أدواته الخاصة للتعبير عن قلقه وأسئلته. وكما كانت الكاميرا في القرن التاسع عشر صدمة للرسم، صار الذكاء الاصطناعي اليوم صدمة جديدة تعيد طرح سؤال: من هو الفنان؟ هل هو الإنسان الذي يبرمج الخوارزمية، أم الآلة التي تنتج الصورة، أم العلاقة المركبة بينهما؟
الاتجاه الثاني يتمثل في تصاعد الفن بوصفه موقفًا أخلاقيًا وسياسيًا. لم يعد الفن المعاصر ينشغل بالجماليات الخالصة بقدر ما ينخرط في قضايا الهوية، والهجرة، والتمييز، والذاكرة الجماعية، والبيئة. المعارض العالمية الكبرى تكاد تتحول إلى منصات نقاش سياسي وثقافي، حيث تُطرح الأسئلة حول الاستعمار، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الأقليات. في هذا السياق، يتراجع مفهوم “الفن للفن” لصالح “الفن بوصفه شهادة” أو “الفن بوصفه مقاومة”.
ولعل قضية المناخ تمثل أحد أبرز محاور هذا الاتجاه. فعدد متزايد من الفنانين يشتغلون على مواد معاد تدويرها، أو ينتجون أعمالًا مؤقتة تذوب أو تتحلل، في إشارة إلى هشاشة الكوكب. الفن هنا لا يكتفي بالتحذير، بل يسعى إلى إعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والطبيعة، عبر تجارب حسية تعيد إحياء الوعي البيئي. إننا أمام فن يحاول أن يكون جزءًا من الحل، لا مجرد معلق على الأزمة.
أما الاتجاه الثالث فيتمثل في إعادة الاعتبار للسرد الشخصي والحميمي. بعد عقود من التجريد المفاهيمي البارد، يعود الجسد والذاكرة والسيرة الذاتية إلى الواجهة. فنانون كثيرون يستلهمون قصصهم العائلية، تجاربهم النفسية، أو صدماتهم الشخصية ليحوّلوها إلى أعمال بصرية. هذا التحول يعكس حاجة إنسانية عميقة إلى المعنى في عالم تسيطر عليه البيانات والأرقام. فوسط العولمة المتشابهة، يبحث الفن عن الخصوصية، عن الصوت الفردي الذي لا يمكن نسخه.
في موازاة ذلك، نشهد تحوّلًا في جغرافيا الفن. لم تعد العواصم الغربية وحدها تتحكم بالمشهد. مدن في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية باتت تلعب أدوارًا مركزية في إنتاج الخطاب الفني العالمي. هذا التحول يعكس إعادة توزيع القوة الثقافية، ويفتح المجال أمام سرديات جديدة كانت مهمشة لعقود. الفن المعاصر اليوم أكثر تنوعًا من أي وقت مضى، وأكثر انفتاحًا على تجارب محلية تتقاطع مع قضايا عالمية.
السوق الفنية أيضًا تشهد تحولات عميقة. المزادات الكبرى، وصالات العرض الدولية، والمنصات الرقمية خلقت اقتصادًا فنيًا ضخمًا تتداخل فيه المضاربات المالية مع الذائقة الجمالية. بعض النقاد يرون أن السوق بات يفرض شروطه على الإنتاج الفني، فيدفع نحو أعمال “قابلة للبيع” أكثر من كونها “قابلة للتأمل”. في المقابل، ظهرت مبادرات بديلة ومساحات مستقلة تسعى إلى تحرير الفن من هيمنة رأس المال، وتعيد التركيز على التجربة الإبداعية ذاتها.
ومن الاتجاهات اللافتة أيضًا تداخل الفنون مع العلوم. مشاريع مشتركة بين فنانين وعلماء في مجالات البيولوجيا، والفيزياء، والذكاء الاصطناعي، أنتجت أعمالًا تتجاوز الحدود التقليدية بين التخصصات. هذا التداخل يعكس قناعة متزايدة بأن فهم العالم المعاصر يتطلب مقاربة عابرة للحقول، وأن الفن يمكن أن يكون وسيلة بحث ومعرفة، لا مجرد تعبير جمالي.
في هذا السياق، يتغير دور المتلقي أيضًا. لم يعد الجمهور متلقيًا سلبيًا، بل شريكًا في إنتاج المعنى. الأعمال التفاعلية، والفنون المجتمعية، والمشاريع التشاركية تعيد تعريف العلاقة بين الفنان والجمهور. أحيانًا يصبح المجتمع ذاته مادة العمل الفني، كما في المشاريع التي تُنجز داخل أحياء مهمشة أو في مناطق نزاع، حيث يتحول الفن إلى أداة للحوار والمصالحة.
غير أن كل هذه التحولات تثير سؤال الهوية: هل ما يزال بالإمكان الحديث عن “فن معاصر” بوصفه تيارًا موحدًا؟ أم أننا أمام فسيفساء من الاتجاهات المتوازية التي لا يجمعها سوى زمنها؟ ربما تكمن خصوصية الفن المعاصر في هذا التعدد ذاته. فهو لا يدّعي امتلاك حقيقة واحدة، بل يحتفي بالتشظي والاختلاف.
وفي خضم هذه التغيرات، يظل السؤال الجوهري: ما الذي يبقى ثابتًا؟ ربما يبقى ذلك الدافع الإنساني القديم إلى التعبير، إلى تحويل القلق والدهشة إلى صورة أو صوت أو حركة. التقنية تتغير، الأسواق تتبدل، الخطابات السياسية تتصاعد وتنحسر، لكن الحاجة إلى الفن تبقى. بل لعلها تزداد في أزمنة الاضطراب.
إذا حاولنا استشراف المستقبل القريب، يمكن القول إن الفنون المعاصرة ستتجه نحو مزيد من الهجنة: أعمال تجمع بين الواقع والافتراض، بين المادي والرقمي، بين المحلي والعالمي. سنشهد على الأرجح تعميقًا للحوار بين الإنسان والآلة، وربما ظهور أشكال فنية لم نتصورها بعد. لكن في الوقت ذاته، قد نشهد عودة متجددة إلى الحِرَفية، وإلى البطء، وإلى العمل اليدوي بوصفه مقاومة لسرعة العصر.
إن الفن المعاصر اليوم ليس مجرد مرحلة زمنية، بل هو حالة وعي. وعي يعيش القلق، ويحتضن التناقض، ويجرب بلا خوف. هو فن يبحث عن معنى في عالم متغير، ويحاول أن يمنح الإنسان مساحة للتأمل وسط ضجيج لا ينتهي.
فإلى أين يتجه؟ ربما إلى مزيد من الأسئلة. وربما تكون قيمة الفن الحقيقية في قدرته على إبقاء هذه الأسئلة مفتوحة، وعلى تذكيرنا بأن العالم، مهما بدا محكومًا بالخوارزميات والاسواق ما يزال يحتاج الى خيال.
استاذ مساعد في كلية الفنون الجميلة /جامعة بغداد