الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تشريع مزدوج لحماية الدولة من العشوائية السياسية

بواسطة azzaman

تشريع مزدوج لحماية الدولة من العشوائية السياسية

إسماعيل محمود العيسى

 

في بلدٍ يخطو نحو ثلاثة عقود من التغيير السياسي؛ لا تزال مشاهد الجدل والعراك تحت قبّة البرلمان تعكس فجوة كبيرة بين ما ينبغي أن تكون عليه الديمقراطية؛ وما آلت إليه آليات تمثيل الشعب وإدارة الدولة، وفي الأمس؛ لم يكن الشجار الذي اندلع بين عدد من أعضاء مجلس النواب حول تقاسم مناصب مجلس الخدمة ومجلس الدولة؛ مجرد حادث عرضي؛ بل كان دلالة صارخة على أزمة أعمق؛ تتعلق بتقاسم النفوذ على حساب المهنية؛ وبالاحتكام إلى الانتماء بدل الكفاءة.

محاصصة مناطقية

إن ما جرى؛ حين تحوّلت الوظائف العليا إلى محاصصة مناطقية ومذهبية ؛ يُنذر بما هو أخطر: اغتراب العقل عن القرار؛ وتهميش الخبراء من دوائر التأثير؛ في بلد يمتلك من الطاقات والكفاءات ما يُؤهّله لأن يكون في طليعة الأمم.

نحن لانرمي إلى تقويض الهياكل القائمة؛ بل إلى ترشيدها؛ ولا ندعو إلى هدم ما هو موجود؛ بل إلى استكمال ما أقرّه الدستور نفسه؛ من خلال طرح صيغة “تشريع مزدوج” تحفظ للديمقراطية روحها، وللدولة عقلها؛ فليست المشكلة في الديمقراطية؛ بل في طريقة تطبيقها في بيئات لم تتهيأ بعد لفهم جوهرها؛ ولعل العراق من أبرز الأمثلة التي تكشف كيف يمكن لصناديق الاقتراع – حين تُفرَغ من مضمونها الوطني – أن تُنتج مجالس نيابية يُكرّس فيها التخلف بدل أن تكون هي من تحاربه؛ وتُقصي الكفاءات بدل أن تستوعبها.

 إن كثيرًا من النظم السياسية في العالم – ومنها العريقة والمستقرة – لجأت إلى حلول مزدوجة؛ تضمن التوازن بين التمثيل الشعبي والتمثيل النوعي؛ بين من يُنتخب بأصوات الناس؛ ومن يُختار بمعايير الكفاءة والمهنية والخبرة.

ففي العراق؛ وفي ظل انتخابات لا تفرز غالبًا إلا من يمتلك المال أو السند العشائري؛ بات لزامًا التفكير خارج القالب الموروث؛ وطرح خيارات أكثر عقلانية وعدالة؛ فلماذا لا يكون للعراق مجلسان تشريعيان؟ الأول يُمثّل الامتداد الاجتماعي التقليدي؛ والثاني يُمثّل ضمير الدولة المهني والعلمي؟

مجلس الأعيان والعشائر: وهو ما يشبه الواقع القائم حاليًا؛ حيث يُنتخب النواب على أسس عشائرية أو مناطقية أو حزبية،

مجلس الكفاءات والخبراء: ويضم شخصيات من أصحاب الشهادات العليا؛ وأساتذة الجامعات؛ ورجال القضاء؛ وأهل الاقتصاد؛ وخبراء التنمية والإدارة؛ ممن يُختارون وفق آليات شفافة تضمن النزاهة والاستقلال؛ وتُسنّ بشأنهم قوانين ضابطة ومعايير دقيقة.

هذه ليست فكرة مثالية ولا سابقة عراقية فقط؛ بل هي ممارسة حقيقية في نظم سياسية محترمة:

ففي المملكة المتحدة؛ لدينا مجلس اللوردات إلى جانب مجلس العموم.

وفي الأردن؛ مجلس الأعيان يُعيّن ليكون مكمّلًا للنواب؛ لا تابعًا لهم.

وحتى في الولايات المتحدة؛ يُمثَّل كل من الشعب والولايات في مجلسين مستقلين.

أما في العراق؛ فإن استمرار المشهد الانتخابي الحالي؛ بما فيه من تهميش متواصل لمدن النخبة والتمدن؛ وعلى رأسها بغداد؛ لن يؤدي إلا إلى مزيد من القطيعة بين الدولة ومؤسساتها العلمية؛ ومزيد من العزوف الشعبي عن صناديق يُراد لها أن تشرعن الخراب لا أن تعيد البناء.

نظام تكثيلي

ولأن أي مقترح لإعادة بناء النظام التمثيلي لا بد أن يُراعي اعتبارات الواقع؛ فإن الدعوة إلى إنشاء مجلسين تشريعيين لا تعني بالضرورة زيادة في الأعباء المالية أو تضخمًا في الهيكل البرلماني؛ بل يمكن أن تُصاغ ضمن مراجعة شاملة تتيح تقليص عدد أعضاء السلطة التشريعية وتنظيم توزيع الأدوار بين غرفتين؛ واحدة تُعبر عن التمثيل الشعبي المباشر؛ وأخرى تضم النخب الوطنية من ذوي الاختصاص والخبرة؛ ليكون التوازن في النوع لا في العدد؛ وفي القيمة لا في الكم؛ وبما ينسجم مع المبادئ الدستورية ولا يُثقل كاهل الدولة؛ بل يُخفف عنها عبء الفوضى التشريعية وغياب الرؤية المهنية.

وفي هذا الإطار؛ فإن ما يُطرح هنا لا يتعارض مع النصوص الدستورية القائمة؛ بل يُعززها ويُفعّل ما بقي منها معلقًا؛ فقد نصّت المادة (48) من الدستور العراقي على أن:

تتكون السلطة التشريعية الاتحادية من مجلس النواب ومجلس الاتحاد

مما يعني أن نظام الغرفتين وارد دستوريًا منذ عام 2005 لكنه لم يُفعل حتى اللحظة. كما أن المادة (65) تنص على:

يُنشأ مجلس يسمى بـ (مجلس الاتحاد) يضم ممثلين عن الأقاليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم، وينظم تكوينه واختصاصاته وشروط العضوية فيه بقانون يُسنّ بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب”.

وهذا يعني أن فتح النقاش حول تشكيل مجلس نوعي آخر – سواء أُطلق عليه اسم مجلس الاتحاد أو مجلس الخبراء – لا يحتاج إلى تعديل دستوري، بل إلى إرادة تشريعية واعية تُسهم في تصويب المسار النيابي وخلق توازن وطني بين التمثيل العددي والتمثيل المهني.

بغداد؛ بجامعاتها ومستشفياتها ومراكزها العلمية والثقافية؛ تستحق أن تكون النموذج الأول لهذا التحوّل المنهجي؛ مجلس محافظة بغداد؛ يجب أن يكون أول من يتبنّى مقترح إنشاء هيئة موازية – دائمة أو استشارية – تضم خبراء المحافظة من الأكاديميين والمهنيين؛ تسهم في صياغة السياسات؛ وتقدّم رؤية متخصصة؛ وتراقب الأداء بمعزل عن الحسابات السياسية.

إن إعادة الاعتبار لصوت العِلم والمعرفة والتجربة لا تُنافي الديمقراطية؛ بل تُقوّمها وتُرشدها، وما لم تُمنح الكفاءات العراقية موقعها الطبيعي في صناعة القرار؛ فإن الوطن سيبقى أسير المزايدات؛ فيما النخب إما صامتة؛ أو مهاجرة؛ أو محبطة.

وما حدث مؤخرًا تحت قبة البرلمان من شجار معلن على تقاسم مناصب مجلس الخدمة مع مجلس الدولة، وتحويل الخلاف إلى سجال طائفي وجهوي؛ ما هو إلا تجلٍّ فجّ للأزمة البنيوية في طريقة التمثيل وغياب الرؤية؛ حين تصبح المناصب غنائم؛ ويُهمَّش القانون؛ ويُنتزع القرار من عقول تُجيد التفكير ليُسلَّم إلى أصوات تُجيد الصراخ.

إن بناء دولة مستقرة وفاعلة لا يبدأ من رأس الهرم فقط؛ بل من قاعدته التشريعية؛ من الطريقة التي نختار بها ممثلينا؛ ونُصيغ بها قراراتنا؛ ونُرشد بها آليات الحكم؛ وإذا لم تُفتح نوافذ التشريع لعقول تُفكر بدل أن تُصفّق؛ فإن من ننتخبهم اليوم سيشرّعون لنا مستقبلاً لا نريده، فلنُشرّع بالعقل… قبل أن نُقصى به.

 


مشاهدات 65
الكاتب إسماعيل محمود العيسى
أضيف 2025/08/30 - 1:39 AM
آخر تحديث 2025/08/30 - 4:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 175 الشهر 21452 الكلي 11416538
الوقت الآن
السبت 2025/8/30 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير