الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إسأل مجرّباً ولا تنسَ الطبيب

← بواسطة azzaman

إسأل مجرّباً ولا تنسَ الطبيب

نوري جاسم  

 

من أمثالنا الشعبية التي شاعت على الألسنة قولهم: «اسأل مجرّبًا ولا تسأل طبيبًا»، وهي عبارة تبدو للوهلة الأولى وكأنها تمنح التجربة سلطةً مطلقة، وتضعها في مواجهة العلم والاختصاص. ولا شك أن في التجربة الإنسانية قيمة كبيرة؛ فمن جرّب عرف، ومن عاش الموقف أدرك من تفاصيله ما قد لا تمنحه الكتب وحدها، ولذلك كانت تجارب الناس عبر التاريخ مصدرًا مهمًا للحكمة والمعرفة. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول التجربة من مصدرٍ للخبرة إلى بديلٍ عن العلم، وحين يصبح ما نفع شخصًا قاعدةً تصلح لكل إنسان.

فالمجرّب يخبرك بما حدث معه، أما الطبيب فيحاول أن يعرف لماذا حدث، وما أسبابه، وما احتمالاته، وكيف يمكن التعامل معه وفق المعرفة المتخصصة. قد يقول لك شخص: «جرّبت هذا العلاج فنفعني»، وهذه شهادة تستحق الاستماع، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على صلاحية العلاج للجميع؛ لأن الإنسان ليس نسخةً مكررة من إنسان آخر، وما يناسب جسدًا قد لا يناسب جسدًا آخر، وما يبدو نافعًا في تجربة فردية قد يكون مجرد مصادفة أو نتيجة لعوامل أخرى لم تكن ظاهرة. ولهذا فإن الصياغة الأكثر توازنًا للمثل، في رأيي، هي: «اسأل مجرّبًا، ولا تنسَ الطبيب.» فليست الحكمة أن نضع التجربة في مواجهة العلم، ولا أن نمنح العلم حق إلغاء الخبرة الإنسانية، وإنما الحكمة أن نجعل كليهما في موضعه الصحيح. نستمع إلى المجرّب لأنه عاش التجربة، ونرجع إلى الطبيب لأنه درسها وفهم أسبابها وامتلك أدوات تشخيصها وتقييمها. التجربة تمنحنا صورةً من الواقع، والعلم يمنحنا القدرة على تفسير هذه الصورة. ولعل أجمل ما في هذه الصياغة أنها تنقلنا من عقلية الاختيار إلى عقلية التكامل؛ فلا المجرّب عدوّ الطبيب، ولا الطبيب نقيض المجرّب. فحين يقول المجرّب: «هذا ما حدث لي»، ينبغي أن نسأل الطبيب: «ولماذا حدث؟ وهل ينطبق ذلك عليّ؟ وما الطريق الآمن للتعامل معه؟». هنا تتحول التجربة إلى معلومة، ويتحول العلم إلى بصيرة، ويصبح القرار أكثر نضجًا.

عقل واع

إن احترام التجربة لا يعني تقديسها، واحترام العلم لا يعني تجاهل خبرات الناس. فكثير من المعارف بدأت بتجربة، لكنها لم تصبح علمًا إلا بعد الملاحظة والاختبار والتحقق والتراكم. ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نحول تجربة فردية إلى حقيقة مطلقة، أو أن نحول رأي المختص إلى شيء لا يقبل النقاش. العقل الواعي لا يسأل فقط: «من جرّب؟»، بل يسأل أيضًا: «ماذا كانت النتيجة؟ ولماذا حدثت؟ وهل يمكن تعميمها؟» وفي زمن تتسع فيه المعلومات وتتعدد فيه الآراء، لم تعد المشكلة في قلة ما نسمع، بل في قدرتنا على التمييز بين التجربة والرأي، وبين المعرفة والادعاء، وبين النصيحة والتشخيص. لذلك ربما نحتاج اليوم إلى مثل جديد لا يلغي المثل القديم، بل يصحح اتجاهه: اسأل مجرّبًا، ولا تنسَ الطبيب؛ فالمجرّب يمنحك خبرة الطريق، والطبيب يرشدك إلى الطريق الآمن. وهكذا تصبح الحكمة الحقيقية ليست في أن نختار بين المجرّب والطبيب، بل في أن نعرف قيمة كل واحد منهما؛ فالتجربة تقول لك: ماذا حدث؟ والعلم يسألك: لماذا حدث؟ والحكمة في النهاية أن تجمع بين السؤالين. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما  ..

 


مشاهدات 115
أضيف 2026/10/24 - 1:07 AM
آخر تحديث 2026/10/24 - 2:26 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 232 الشهر 46601 الكلي 16631770
الوقت الآن
السبت 2026/10/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير