الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
بين فوكوياما وماركس

← بواسطة azzaman

بين فوكوياما وماركس

عبد الحسين شعبان

 

ما الذي يجمع فرانسيس فوكوياما المفكر الليبرالي الأميركي الياباني الأصل بكارل ماركس المفكر الاشتراكي الألماني؟ إنه سؤال مثيرٌ بلا أدنى شك لكن المُتَتَبِّعَ وَالمُلاحِظَ سيجد استنتاجاً فكرياً خلاصياً بينهما، وهو ما سنأتي عليه في خاتمة هذه المقالة.

في صيف العام 1989 نشرت مجلة ناشيونال انترست مقالة لفوكوياما بعنوان «نهاية التاريخ»، أثارت عاصفة من النقاش والجدل، خصوصاً بعد نهاية الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية خريف العام ذاته، لاسيَّمَا بعد انهيار جدار برلين في 9 تشرين الثاني/نوفمبر 1989. وكان فوكوياما قد رَوَّجَ لفكرته قبل نشرها في محاضرة ألقاها في مدرج جامعة شيكاغو، ثم قام ببلورة نظريته بصيغتها النهائية بعد تفكك الاتحاد السوفيتي (أواخر العام 1991) ونشرها في كتاب في العام 1992 بعنوان «نهاية التاريخ والإنسان الأخير». ولقي الكتاب اهتماماً واسعاً بين مُؤَيِّد ومُتَحَمِّس وبين معارض ومُفَنِّد.

وعلى الرغم من أنني تناولت الكتاب بالتقريظ أكثر من مرة، وخصوصاً في كتابي «الإسلام وحقوق الإنسان»(2001) ومقالات عديدة، وكنت أعود إليه بين الفينة والأخرى خصوصاً بالحديث عن أزمة الماركسية والقراءة الممكنة والمستحيلة لها، ناهيك عن محنة اليسار ومعضلاته. وهو ما حصل مؤخراً عند مناقشة كتابي «الماركسية والتمركس والماركسلوجيا» (بيروت، دار النهار، 2027).

جاء صدور كتاب فوكوياما وكأنه تتويج لإعلان انتصار الرأسمالية ونظامها الليبرالي على الصعد الاقتصادية والسياسية والثقافية على عدوها الاشتراكية ونظامها الشمولي، وكان الاحتفاء به في ذروة النشوة الفائقة الحساسية. الجدير بالذكر أن المؤلف يرتبط بجماعة المحافظين الجدد، وهو من أصول تعود إلى اليابان المهزومة أمام الولايات المتحدة الأمريكية بالحرب العالمية الثانية، وتلك علاقةٌ بين الغالب والمغلوب وفقاً لتأثيرات العقل الباطن، كما يقول علم النفس، الأمر الذي يصبح مفهوماً حماسته وانحيازه اللَّامَحْدُود «للمنتصر»، مع أن أفكاره تحمل نقاط ضعفه من داخلها، حيث ازدحم بالتعميمات والانتقائيات والافتراضات.

استنتاج اساسي

كان ماركس يسكن ذهن فوكوياما، ويبدو أنه أراد بعد انهيار الكتلة الاشتراكية لا الإجهاز عليها فحسب، بل الإجهاز على مرجعيتها النظرية، وأقصد ماركس وكتابه «رأس المال» الذي يقوم على استنتاج أساسي أن الرأسمالية صائرةٌ إلى زوال وهي تحمل بذور فنائها في داخلها. والماركسية كما أشرت أكثر من مرة أنها علم الرأسمالية بامتياز، إذ شَخَّصَتْ أزمتها البنيوية التي تقوم على التناقض بين قوة العمل والاستغلال، الأمر الذي افترض انهيارها كمرحلة أولى لقيام العدالة الاجتماعية كجزء من حتمية تاريخية تعتمد على تعاقب المراحل التاريخية. 

يقول فوكوياما أن السياسة الحديثة خلقت شكل دولة سلطوية توتاليتارية بنموذجها الاتحاد السوفيتي وألمانية النازية، وأن المذابح التي تم اقترافها فيهما لم يسبق لها مثيل في التاريخ الإنساني، ولم تكن ممكنة الحدوث إلا بواسطة الحداثة، حيث وضع كل من ستالين وهتلر التكنولوجيا والتنظيم الحديث في خدمة الشر، وإن كان في ذلك شيء من الحقيقة، إلا أنه تناسى على نحو مقصود بأن أكبر عملية إبادة في التاريخ كانت قد حصلت قبل اكتشافات التكنولوجيا الحديثة والتنظيم الاجتماعي تلك التي حصلت في الولايات المتحدة بإبادة السكان الأصليين.

ويبرر فوكوياما للولايات المتحدة قصفها لمدينة ديرزدين الألمانية وتدميرها، وكذلك إلقاء القنبلة النووية على هيروشيما وناكا زاكي اليابانيتين كتجربة لاكتشاف تأثيرهما على الرغم من انتهاء الحرب فعلياً واستسلام ألمانيا. وتلك بالطبع لم تقم بها أنظمة توتاليتارية شمولية، بل قامت بها دولة ديمقراطية ليبرالية بزعم الدفاع عن النفس.

في الفكرة الخلاصية

وعلى الرغم من استعراضه الصراع الأيديولوجي الدولي خلال القرن العشرين، ولا سيما خلال فترة الحرب الباردة، فإنه يشير إلى أن النموذج الوحيد الصالح للبقاء هو الديمقراطية الليبرالية، وماعداه فشل وانهار لأنه غير قابل للحياة، معبراً أن الشكل الأمثل والأرقى للحكم هو النموذج الديمقراطي الرأسمالي الغربي وهو الخلاصة النهائية، بل الحتمية لما يمكن أن تصل إليه البشرية من نظم سياسية.

يحاول فوكوياما أن يضفي بعداً دينياً مسيحياً على نظريته التي تقول بوصول العالم إلى «نهاية التاريخ»، وذلك بانتهاء الزمن، من خلال عملية الخلق والفناء، فحكم الأرض حسب السيد المسيح هو يوم الدينونة، علماً بأن هذه الفكرة ذات الطابع الإيماني العقائدي دعت إليها الغالبية الساحقة من الديانات فيما يتعلق بيوم القيامة (الجنة والنار) فضلاً عن الميثولوجيات السومرية والبابلية والإغريقية.

يبدو أن فوكوياما وقع في شرك عدوه ماركس الذي ظل شبحه يطارده، فقد آمن هو الآخر بالحتمية التاريخية، فماركس تناول فناء الرأسمالية كحتمية تاريخية وانتصار الاشتراكية وإلغاء استغلال الإنسان للإنسان، ومثلما بَشَّرَنَا أن الدولة ستذبل أو تزول بفعل الحتمية التاريخية وانتهاء الصراع الطبقي، خصوصاً حين يتحقق شعار «لكل حسب طاقته ولكل حسب حاجته» فإن فوكوياما هو الآخر تبنى، وإن بالمقلوب، ظفر الليبرالية السياسية والاقتصادية كحتمية تاريخية.  وهو ما جعل «نهاية التاريخ» عنواناً لنظريته.

 

 

 


مشاهدات 95
الكاتب عبد الحسين شعبان
أضيف 2026/11/08 - 3:50 PM
آخر تحديث 2026/11/09 - 1:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 118 الشهر 17279 الكلي 16667813
الوقت الآن
الإثنين 2026/11/9 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير