الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حين كان الطبيب باباً مفتوحاً

← بواسطة azzaman

هاشتاك الناس

حين كان الطبيب باباً مفتوحاً

ياس خضير البياتي  

 

في الأزقة القديمة، كان المرض يطرق الباب ليلاً، فينهض الطبيب قبل أن يكتمل الفجر. يحمل حقيبته، ويمضي في الطرقات التي يعرفها حجرًا حجرًا، لا يسأل أولًا: كم يملك المريض؟ بل: أين يؤلمه؟

كان الناس يذكرون إسماعيل ناجي وخالد ناجي، الشقيقين اللذين أسّسا عيادة شعبية جعلت العلاج قريبًا من متناول الفقراء، لقاء بدل رمزي. لم تكن العيادة جدرانًا وأسرّةً فحسب؛ كانت وعدًا صغيرًا بأن الفقر لا ينبغي أن يغلق باب الطبيب.

وفي ذاكرة المرضى بقي اسم الجرّاح مكي الواعظ، الذي يُروى أنه أجرى عددًا كبيرًا من العمليات مجانًا، وهو ما هو موثّق في سجلات مدينة الطب. كانت مشرطته تشقّ الجسد لتداوي، لا لتفتح حسابًا جديدًا على المريض.

وكان عبد الأحد عبد النور يشارك في علاج الأطفال مجانًا، ويسهم في تأسيس فرع الهلال الأحمر العراقي في الموصل؛ كأنما رأى في الطفل المريض مدينةً كاملة تستحق النجدة. أما نزيهة الدليمي، فكانت تساند الفقراء بلا مقابل، وتعرف أن العون أحيانًا يبدأ من الإصغاء، قبل الدواء.

في ذاكرة الأمس أمثلةٌ كثيرة لأطباء لم تكن مهنتهم وصفةً ومشرطًا فحسب، بل محبةً تسكن القلب؛ كانوا يصغون إلى أنين المريض كأنما يخرج من أجسادهم، ويتقاسمون معه وجعه الجسدي وهمومه الحياتية. وكان الفقير إذا قصد عيادتهم لا يجد طبيبًا غريبًا خلف مكتب، بل أخًا يفتح له قلبه قبل بابه، يداوي جراحه، ويضمد أحزانه، ويعيد إليه شيئًا من الطمأنينة التي أنهكها المرض والعوز.

لم يكن ذلك زمنًا بلا تعب ولا عوز، ولم يكن كل طبيب فيه قديسًا. لكن الناس كانوا يرون في الطبيب وجهًا يعرفونه، ويدًا تمتد إليهم حين تضيق بهم السبل. كانت العلاقة تبدأ من الثقة: يشرح الطبيب، ويطمئن المريض، ويغادر الأخير وهو يحمل وصفةً وأملًا.

أما اليوم، فيجلس المريض أحيانًا أمام شبكةٍ من الأبواب: عيادة، ثم مختبر، ثم صيدلية. وقد يشعر أن الطبيب يتفق مع المختبر على الفحوص، ومع الصيدلي على الدواء، وأن رحلته العلاجية صارت سلسلةً من المصاريف لا يعرف أين تنتهي.

لا يعني ذلك أن كل طبيب أو صيدلي أو مختبر يفعل هذا، ولا أن التعاون بينهم مذموم؛ فالتنسيق المهني قد يكون ضروريًا لإنقاذ المريض. لكن الشك يبدأ حين لا يفهم المريض سبب الفحص، أو يُدفع إلى دواء لا يحتاجه، أو يصبح العلاج أغلى مما يحتمل، فيما تغيب الشفافية وتختلط النصيحة بالمصلحة.

هناك فرق بين أن يتقاضى الطبيب أجرًا على علمه وتعبه، وبين أن تتحول حاجة المريض إلى فرصة للربح. وفرقٌ بين إحالةٍ طبية مبررة، واتفاقٍ خفي يجعل المريض يدفع ثمن علاقة لا يعرفها. حين يغيب الوضوح، تتآكل الثقة؛ وحين تتآكل الثقة، لا يعود المريض يرى في العيادة بابًا للشفاء، بل محطةً أخرى في طريق الفاتورة.

لذلك لا يكفي أن نستعيد أسماء إسماعيل وخالد ناجي، ومكي الواعظ، وعبد الأحد عبد النور، ونزيهة الدليمي، بوصفهم حكايات جميلة من الماضي. الأجدى أن نسأل: كيف نجعل الرحمة جزءًا من نظام العلاج اليوم؟ كيف يعرف المريض لماذا أُحيل إلى المختبر، ولماذا وُصف له هذا الدواء؟ وكيف نضمن أن تكون مصلحة المريض أولًا، لا آخر بند في الحساب؟

في آخر النهار، لا يطلب المريض معجزة. يريد طبيبًا يصارحه، ودواءً يحتاجه، وفحصًا له سبب، وكلفةً لا تسحقه. يريد أن يدخل العيادة وهو خائف، ويخرج منها شاعرًا أن أحدًا رآه إنسانًا قبل أن يراه زبونًا. ذلك هو الفارق بين طبٍّ يداوي، وطبٍّ لا يرى في الألم إلا تجارة.

كان المريض قديمًا يدخل العيادة حاملًا وجعه، فيخرج بوصفةٍ وربما بمالٍ بقي في جيبه. أمّا اليوم، فقد يدخل بوجعٍ واحد، ويخرج بقائمة فحوص، ووصفة طويلة، وفاتورة تجعل الوجع يبدو أهون من كلفته. وبين باب الطبيب وباب المختبر ونافذة الصيدلية، يتساءل المسكين: هل جئت أبحث عن علاج، أم دخلت صفقةً لا أعرف أطرافها؟

ليست هذه حكاية كل الأطباء؛ ففيهم من لا يزال يحمل المهنة بضميرها النبيل. لكنها حكاية خوفٍ صار يسكن المريض: أن تتحول حاجته إلى فرصة، ومرضه إلى حساب، وأن يصبح الشفاء سلعةً لا ينالها إلا من يستطيع دفع ثمنها.

ومن هنا، حين نستعيد أطباء الأمس، لا نفعل ذلك حنينًا إلى زمنٍ مثالي، بل لأن سيرتهم تذكّرنا بما ينبغي ألا يضيع من الطب: أن يرى الإنسان قبل أن يرى الفاتورة. وفي المقابل، تظل صورة الطبيب الجشع، مع الأسف، عالقةً بأذهان الناس؛ صورةٌ لا يجوز تعميمها على أطباء اليوم، لكنها تزداد حضورًا كلما تقدّم المال على الرحمة، وغابت عن المهنة رسالتها الإنسانية.

yaaas@hotmail.com

 

 

 


مشاهدات 67
الكاتب ياس خضير البياتي  
أضيف 2026/10/11 - 3:21 PM
آخر تحديث 2026/10/12 - 12:33 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 77 الشهر 20513 الكلي 16605682
الوقت الآن
الإثنين 2026/10/12 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير