الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
تجارب نفطية رائدة .. ملف حرق الغاز المصاحب خلال 2021 و2022

← بواسطة azzaman

تجارب نفطية رائدة .. ملف حرق الغاز المصاحب خلال 2021 و2022

سياسة وزارة الثروات الطبيعية في إقليم كردستان 

كمال أتروشي

 

مقدمة

يُعدّ ملف حرق الغاز المصاحب للنفط من أبرز الملفات الاستراتيجية التي واجهت قطاع الطاقة في إقليم كردستان العراق، نظراً لما ينطوي عليه من أبعاد اقتصادية وبيئية وصحية، فضلاً عن ارتباطه المباشر بكفاءة إدارة الثروة النفطية والغازية، ومدى قدرة الحكومة على تحويل الموارد الطبيعية المهدورة إلى مصادر إنتاج وعوائد اقتصادية.

وقد اكتسب هذا الملف أهمية خاصة خلال عامي 2021 و2022، عندما تولى الدكتور كمال أتروشي منصب وزير الثروات الطبيعية في حكومة إقليم كردستان. ففي تلك المرحلة، اتجهت الوزارة إلى طرح سياسة أكثر تشدداً تجاه استمرار حرق الغاز المصاحب في الحقول النفطية، من خلال إصدار توجيهات إلى الشركات العاملة في الإقليم بضرورة وقف هذه الممارسة، والانتقال إلى حلول فنية تتيح جمع الغاز ومعالجته أو إعادة حقنه في المكامن النفطية أو استثماره في إنتاج الطاقة الكهربائية.

ولم تكن هذه السياسة مجرد إجراء بيئي للحد من الانبعاثات، بل مثّلت محاولة لإعادة النظر في طريقة إدارة أحد الموارد المهمة التي ظلت تُحرق لسنوات طويلة بدلاً من الاستفادة منها اقتصادياً. ولذلك فإن دراسة تجربة الوزارة في تلك الفترة تتطلب تناول القرارات التي اتخذتها، والآليات التي طرحتها، والمشروعات التي كانت قائمة أو قيد التطوير، وكذلك التحديات التي واجهت تنفيذ هذه التوجهات.

أولاً: واقع حرق الغاز المصاحب قبل صدور قرارات عام 2021

ينتج الغاز المصاحب بصورة طبيعية أثناء استخراج النفط الخام من المكامن النفطية، ويُفترض أن تتم إدارته من خلال منظومات متكاملة لجمعه وفصله ومعالجته ونقله أو إعادة حقنه في المكامن، وفقاً لطبيعة الحقل وتركيبة الغاز والجدوى الاقتصادية والفنية.

لكن عدداً من الحقول النفطية في إقليم كردستان اعتمد، على مدى سنوات، على حرق كميات من هذا الغاز بسبب محدودية البنية التحتية اللازمة لجمعه ومعالجته واستثماره.

وقد أشرت ، في مقابلة مع شبكة رووداو في أغسطس 2021، إلى أن كمية الغاز التي كانت تُحرق في الإقليم تجاوزت 150 مليون قدم مكعب يومياً، وفق تقديره، وأن هذه الممارسة استمرت نحو 15 عاماً.

وكان استمرار الحرق يعني خسارة مورد طاقة يمكن استخدامه في إنتاج الكهرباء أو توفير الوقود للصناعات، فضلاً عن الأضرار البيئية الناتجة عن انبعاث الغازات والملوثات المصاحبة لعمليات الحرق.

ومن هنا، أصبح التعامل مع هذا الملف يتطلب الانتقال من سياسة التعامل مع الغاز باعتباره ناتجاً ثانوياً للإنتاج النفطي، إلى اعتباره مورداً اقتصادياً مستقلاً ينبغي التخطيط لاستثماره.

شركات نفطية

ثانياً: القرار المحوري في 13 يوليو 2021 وفرض مهلة 18 شهراً

شكّل التوجيه الصادر عن وزارة الثروات الطبيعية بتاريخ 13 يوليو 2021 نقطة تحول مهمة في التعامل الرسمي مع ملف الغاز المصاحب. فقد وجّهت الشركات النفطية العاملة في الإقليم إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لإنهاء عمليات حرق الغاز المصاحب، ومنحها فترة زمنية تصل إلى 18 شهراً للانتقال من الحرق إلى الحلول البديلة.

ووفقاً لما نشره موقع Iraq Oil Report في 29 يوليو 2021، تضمّن التوجيه مطالبة الشركات بإدراج عمليات إعادة حقن الغاز ضمن خطط تطوير الحقول، وتسريع تنفيذ الإجراءات الفنية اللازمة، مع التأكيد على أن حرق الغاز محظور بموجب التوجهات التي استندت إليها الوزارة في عقود المشاركة بالإنتاج.

وقد حمل القرار عدة رسائل أساسية:

1-إنهاء التعامل مع حرق الغاز بوصفه ممارسة اعتيادية: إذ اتجهت الوزارة إلى اعتبار استمرار الحرق أمراً ينبغي التخلص منه، وليس حلاً دائماً للتعامل مع الغاز الناتج عن استخراج النفط.

2-تحميل الشركات مسؤولية اتخاذ الإجراءات الفنية: من خلال مطالبتها بوضع خطط واضحة لجمع الغاز ومعالجته وإعادة حقنه أو استثماره.

3-تسريع تطوير الحقول: عبر إدخال مشروعات الغاز ضمن خطط تطوير الحقول النفطية بدلاً من تأجيلها أو التعامل معها باعتبارها مشروعات ثانوية.

4- إيجاد آلية للردع والمحاسبة: إذ أعلن الوزير عن إمكانية فرض رسوم أو ضرائب على الشركات التي تستمر في الحرق، ضمن الإجراءات التي كانت الوزارة تدرسها لتطبيق السياسة الجديدة.

وفي مقابلة رووداو بتاريخ 21 أغسطس 2021، شددت  على أن حرق الغاز أصبح ممنوعاً، وأن مهلة الأشهر الثمانية عشر خُصصت لإيجاد الحلول الفنية اللازمة للتخلص من هذه الممارسة.وكان من المقرر أن تؤدي هذه المهلة إلى الوصول إلى بداية عام 2023 دون استمرار الحرق وفق السياسة المعلنة.

ثالثاً: الخيارات الفنية التي تبنتها الوزارة لمعالجة الغاز المصاحب

لم تقتصر توجهات وزارة الثروات الطبيعية على إصدار قرار بوقف الحرق، وإنما تضمنت طرح مجموعة من الحلول الفنية التي يمكن أن تساعد الشركات على الالتزام بالسياسة الجديدة. ويمكن تحديد أبرز هذه الحلول في ثلاث مسارات:

1- إعادة حقن الغاز في المكامن النفطية: كان خيار إعادة حقن الغاز في المكامن النفطية من أبرز الحلول التي أعلنت عنها كتعليمات رسمية.وتقوم هذه التقنية على جمع الغاز المصاحب وفصله عن النفط، ثم معالجته وضغطه ونقله عبر منظومات خاصة لإعادة ضخه في المكمن النفطي. وتحقق هذه العملية عدداً من الفوائد، أهمها:

تقليل كميات الغاز التي يتم حرقها في الحقول النفطية. المحافظة على ضغط المكامن النفطية وتحسين ظروف الإنتاج.

المساهمة في زيادة معدلات استخلاص النفط.

الاستفادة من الغاز بدلاً من فقدانه عن طريق الحرق. تقليل بعض الأعباء التشغيلية المرتبطة بإدارة الإنتاج النفطي.

أن إعادة حقن الغاز على أعماق تتراوح بين أربعة وخمسة آلاف متر يمكن أن تكون حلاً عملياً، ولا سيما في الحقول التي تحتوي على غاز ذي مكونات سامة، مثل كبريتيد الهيدروجين، الأمر الذي يجعل استخدامه المباشر أكثر تعقيداً ويتطلب عمليات معالجة متخصصة.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن هذا الخيار لا يعني بالضرورة تحقيق إيرادات مباشرة من بيع الغاز، لكنه قد يحقق قيمة اقتصادية غير مباشرة من خلال المحافظة على ضغط المكمن وتحسين إنتاج النفط.

2-جمع الغاز ومعالجته واستثماره في إنتاج الكهرباء

المسار الثاني يتمثل في إنشاء منشآت لجمع الغاز المصاحب ومعالجته وتحويله إلى وقود لمحطات إنتاج الكهرباء.وهذا الخيار يحمل أهمية خاصة لإقليم كردستان، نظراً إلى حاجة الإقليم المستمرة إلى مصادر مستقرة لتغذية محطات الكهرباء، وما يترتب على ذلك من أهمية تقليل الاعتماد على حرق الوقود أو استيراده.

حقل سرقلة

ومن أبرز الأمثلة العملية على هذا التوجه مشروع استثمار الغاز المصاحب في حقل سرقلة ضمن منطقة كرميان.

ففي يناير 2022، أعلنت شركة Aggreko استكمال تشغيل محطة لتوليد الكهرباء بقدرة 165 ميغاواط باستخدام الغاز المصاحب الذي كان يُحرق سابقاً في حقل سرقلة. وقد صُممت المحطة لاستخدام نحو 40 مليون قدم مكعب قياسي من الغاز يومياً، مع إنشاء خط أنابيب بطول ست كيلومترات لنقل الغاز إلى المحطة، إلى جانب تطوير أجزاء من شبكة نقل الكهرباء. ووفقاً للمعلومات المنشورة عن المشروع، أسهم تشغيل المحطة في خفض الحرق بنحو الثلث، وتجنب انبعاث ما يقارب 840 طناً من ثاني أكسيد الكربون يومياً.

والجدير بالذكر أن المشروع نُفذ بالتعاون بين الشركة ووزارتي الثروات الطبيعية والكهرباء في الإقليم، وكانت أعمال تنفيذه قد جرت خلال عامي 2020 و2021، فيما اكتمل تشغيله في يناير 2022.وتكمن أهمية هذا المشروع في أنه قدم نموذجاً عملياً لإمكانية تحويل الغاز الذي كان يُهدر بالحرق إلى طاقة كهربائية تخدم الاقتصاد المحلي.

3- تطوير منشآت المعالجة والبنية التحتية للغاز

إن وقف حرق الغاز لا يمكن تحقيقه بمجرد إصدار التعليمات الإدارية، وإنما يحتاج إلى بنية تحتية متكاملة تتناسب مع طبيعة الحقول النفطية وكميات الغاز المنتجة وتركيبته الكيميائية.

وتشمل هذه البنية:

وحدات فصل الغاز عن النفط.

منشآت معالجة الغاز وإزالة المكونات السامة.

وحدات ضغط الغاز.

خطوط أنابيب لنقل الغاز.

منشآت إعادة حقن الغاز في المكامن.

محطات توليد الكهرباء التي تستخدم الغاز وقوداً

منظومات القياس والمراقبة والسيطرة.

ومن المهم الإشارة إلى أن الغاز المصاحب في بعض حقول الإقليم يحتوي على نسب مرتفعة من كبريتيد الهيدروجين، وهو غاز شديد السمية، ما يفرض الحاجة إلى وحدات معالجة متخصصة قبل استخدامه أو نقله أو إعادة حقنه وفق المتطلبات الفنية.

وبالتالي، فإن سياسة الوزارة كانت تتطلب تعاوناً وثيقاً بين الشركات النفطية والجهات الحكومية المختصة، فضلاً عن الاستعانة بالشركات الهندسية المتخصصة في قطاع الغاز.

رابعاً: الاستفادة من تجربة حقل بيشكابير وتاوكي

من التجارب المهمة التي برزت خلال عام 2021 مشروع شركة DNO النرويجية لجمع الغاز المصاحب من حقل بيشكابير وإعادة حقنه في مكامن حقل تاوكي.وقد أعلنت الشركة في سبتمبر 2021 عن تشغيل مشروع لجمع الغاز ومعالجته وإعادة حقنه، بلغت كلفته الاستثمارية نحو 110 ملايين دولار.

وتضمن المشروع معالجة نحو 30 مليون قدم مكعب قياسي من الغاز يومياً في منشآت بيشكابير، ثم نقله عبر منظومة ضغط عالية لإعادة حقنه في مكامن تاوكي.

كما أعلنت الشركة عن نجاح المشروع في إعادة حقن مليار قدم مكعب من الغاز، وعن تحقيق انخفاض كبير في عمليات الحرق بحقل بيشكابير.

وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة في سياق توجهات وزارة الثروات الطبيعية خلال عهد أتروشي، لأنها أثبتت أن إعادة حقن الغاز ليست مجرد خيار نظري، وإنما تقنية قابلة للتطبيق في حقول الإقليم، ويمكن أن تحقق فوائد بيئية وإنتاجية واقتصادية في الوقت نفسه.

كما قدم المشروع نموذجاً يمكن الاستفادة منه عند مطالبة الشركات الأخرى بإعداد خطط مماثلة، مع مراعاة اختلاف طبيعة المكامن النفطية وتركيبة الغاز والتكاليف الاستثمارية لكل حقل.

خامساً: أسلوب الوزارة في التعامل مع الشركات النفطية

من أبرز ملامح سياسة الوزارة خلال تلك الفترة الانتقال من الاكتفاء بالتفاهمات العامة مع الشركات إلى استخدام التوجيهات الرسمية لتحديد التزاماتها تجاه ملف الغاز المصاحب. فقد اعتمدت الوزارة على عدة أدوات في هذا المجال:

1- التوجيه الإداري الملزم

تمثل ذلك في إصدار كتاب رسمي بتاريخ 13 يوليو 2021، يحدد التزامات الشركات ويطلب منها اتخاذ إجراءات سريعة لإنهاء الحرق.

2- ربط الملف بخطط تطوير الحقول

من خلال مطالبة الشركات بإدراج مشاريع جمع الغاز ومعالجته وإعادة حقنه ضمن خطط تطوير الحقول النفطية، بما يجعل إدارة الغاز جزءاً من منظومة تطوير الإنتاج وليس نشاطاً منفصلاً عنها.

3- التلويح بالإجراءات المالية

أعلنت آنذاك عن إمكانية فرض رسوم أو ضرائب على عمليات حرق الغاز، كما تناولت التوجيهات المنشورة احتمال تطوير آلية مالية مرتبطة بالانبعاثات البيئية وصندوق المعالجة البيئية.

4- الاستفادة من الخبرات الدولية

أكدت حينها على أهمية إدخال الخبرات الأجنبية المتخصصة إلى الوزارة، والعمل على تدريب الكوادر المحلية والخريجين الجدد، وتطوير قدراتهم في إدارة العمليات النفطية والمشروعات والعقود والتقييم الفني والبيئي.

وكان هذا التوجه مرتبطاً برؤية أوسع لتطوير القدرات المؤسسية للوزارة، حتى تتمكن من متابعة أداء الشركات وتقييم تكاليف المشروعات وآثارها البيئية والإنتاجية بصورة أكثر تخصصاً.

سادساً: التحديات الاقتصادية والفنية التي واجهت تنفيذ القرار

على الرغم من أهمية التوجه الذي تبنته الوزارة، فإن تطبيق قرار إنهاء حرق الغاز واجه مجموعة من التحديات التي ينبغي أخذها بنظر الاعتبار عند تقييم تجربة عامي 2021 و2022.

1-ارتفاع تكاليف الاستثمار

إن إنشاء منشآت جمع الغاز ومعالجته وإعادة حقنه يحتاج إلى استثمارات مالية كبيرة، ولا سيما في الحقول التي تحتوي على غاز غني بكبريتيد الهيدروجين. وتشمل هذه التكاليف إنشاء وحدات معالجة متخصصة، وشراء معدات الضغط، ومد خطوط الأنابيب، وتطوير مرافق الإنتاج.

وقد أشار تقرير Iraq Oil Report الصادر في يوليو 2021 إلى أن بعض الشركات كانت قلقة بشأن تحمل هذه التكاليف، خصوصاً في ظل عدم وضوح آليات استرداد النفقات الاستثمارية ضمن الترتيبات المالية والعقود القائمة.

2-الالتزامات المالية الحكومية تجاه الشركات

كانت حكومة الإقليم تواجه آنذاك التزامات مالية متراكمة تجاه الشركات النفطية، وهو ما جعل مطالبة الشركات بضخ استثمارات إضافية دون وضوح آليات التعويض واسترداد التكاليف مسألة معقدة.

3- تفاوت الإمكانات الفنية بين الحقول

لا يمكن تطبيق حل واحد على جميع الحقول النفطية؛ فبعض الحقول يمكن أن تستفيد من إعادة حقن الغاز، بينما قد تكون معالجة الغاز واستثماره في إنتاج الكهرباء أكثر ملاءمة لحقول أخرى.كما أن طبيعة الغاز وتركيز كبريتيد الهيدروجين وحجم الإنتاج والمسافة عن منشآت المعالجة ومحطات الكهرباء كلها عوامل تؤثر في اختيار الحل الفني والاقتصادي المناسب.

4-محدودية الخبرات والبنية التحتية

إن تطوير قطاع الغاز يحتاج إلى كوادر هندسية متخصصة وشركات قادرة على تنفيذ مشاريع المعالجة والضغط والنقل وإعادة الحقن. ولذلك فإن نجاح سياسة إنهاء الحرق كان مرتبطاً أيضاً بقدرة الوزارة على تطوير منظومتها الفنية والرقابية، وبقدرة الإقليم على جذب الاستثمارات والخبرات المطلوبة.

سابعاً: تطورات الملف خلال عام 2022 وتقييم نتائج السياسة المعلنة

شهد عام 2022 استمرار الاهتمام بملف الغاز المصاحب، إلا أن التطورات أظهرت وجود فجوة بين القرارات الإدارية المعلنة ومتطلبات التنفيذ الفعلي. فمن جهة، شهد الإقليم تشغيل مشروع سرقلة بقدرة 165 ميغاواط في يناير 2022، وهو إنجاز عملي في مجال استثمار الغاز الذي كان يُحرق، وأظهر إمكانية تحويل جزء من الغاز المصاحب إلى مصدر لإنتاج الكهرباء.

وهذه التطورات مهمة عند تقييم التجربة؛ إذ ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات:

المستوى التشريعي والإداري: صدور قرار رسمي بإنهاء الحرق وتحديد مهلة زمنية للشركات.

المستوى التنفيذي: إطلاق وتنفيذ مشاريع عملية لجمع الغاز واستثماره أو إعادة حقنه.

مستوى النتائج النهائية: الوصول إلى الإيقاف الكامل للحرق على مستوى جميع الحقول، وهو ما لم يتحقق ضمن المهلة المعلنة. وبالتالي، فإن عام 2022 مثّل مرحلة اختبار حقيقية لمدى قدرة السياسة التي أُعلنت

ثامناً: الأبعاد الاقتصادية والبيئية والاستراتيجية للسياسة

إن أهمية التوجه الذي تبنته وزارة الثروات الطبيعية في عهد الدكتور كمال أتروشي لا تقتصر على مسألة الحد من التلوث، وإنما تمتد إلى مجموعة من الأبعاد الاستراتيجية.

البعد الاقتصادي: يتمثل في الحد من هدر مورد طبيعي يمكن استثماره في إنتاج الكهرباء أو تحسين إنتاج النفط أو توفير الغاز للصناعات المحلية.

البعد البيئي: يتمثل في تقليل انبعاثات الغازات الناتجة عن عمليات الحرق، والحد من التأثيرات البيئية على المناطق السكنية والزراعية المحيطة بالحقول النفطية.

البعد الصحي: يتمثل في تقليل تعرض السكان للملوثات المصاحبة لعمليات الحرق، مع ضرورة الإشارة إلى أن تقييم الآثار الصحية الفعلية يتطلب دراسات وبائية وقياسات بيئية متخصصة.

البعد الاستراتيجي: يتمثل في تعزيز أمن الطاقة للإقليم من خلال توفير مصدر إضافي للوقود اللازم لإنتاج الكهرباء، وتقليل الاعتماد على الموارد الخارجية.

البعد المؤسسي: يتمثل في تطوير قدرات وزارة الثروات الطبيعية في متابعة الشركات النفطية، وتقييم الخطط الفنية، وإدارة المشروعات، ومراقبة الالتزامات البيئية والتعاقدية.

ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى سياسة عامي 2021 و2022 بوصفها محاولة لربط إدارة الثروة النفطية بمفهوم أوسع لإدارة الموارد الطبيعية، بحيث لا يكون معيار النجاح مقتصراً على كمية النفط المستخرج، بل يشمل أيضاً كيفية التعامل مع الغاز المصاحب والموارد الأخرى الناتجة عن عمليات الإنتاج.

تاسعاً: الدروس المستفادة من تجربة الوزارة

يمكن استخلاص مجموعة من الدروس المهمة من تجربة وزارة الثروات الطبيعية خلال الفترة التي توليت فيها مسؤولية الوزارة:

1-إن القرارات الحكومية لحكومه اقليم كردستان المتعلقة بالحد من حرق الغاز احتاجت إلى خطط تنفيذية تفصيلية لكل حقل.

2-إن نجاح سياسة منع الحرق يتطلب تحديد المسؤوليات المالية بين الحكومة والشركات، ولا سيما فيما يتعلق بتكاليف إنشاء منشآت المعالجة وإعادة الحقن.

3-ن استثمار الغاز في إنتاج الكهرباء يمثل أحد الحلول العملية التي يمكن أن تحقق عوائد اقتصادية وبيئية مباشرة.

4-إن إعادة حقن الغاز في المكامن النفطية تمثل خياراً مهماً، خصوصاً في الحقول التي تتطلب المحافظة على ضغط المكمن وتحسين معدلات الاستخلاص.

5-إن وجود الخبرات الفنية المتخصصة داخل الوزارة يمثل شرطاً أساسياً لمراقبة تنفيذ الشركات لالتزاماتها.

6-إن نجاح هذه السياسة يتطلب التنسيق بين وزارات الثروات الطبيعية والكهرباء والمالية والجهات البيئية، فضلاً عن التعاون مع الشركات المشغلة.

7- إن وضع جداول زمنية طموحة يجب أن يقترن بمؤشرات أداء قابلة للقياس، وتقارير دورية عن كميات الغاز المجموعة والمعالجة والمعاد حقنها والمستخدمة في توليد الكهرباء، والكميات التي لا تزال تُحرق.

الخاتمة

إن تجربة وزارة الثروات الطبيعية في إقليم كردستان العراق خلال عامي 2021 و2022 في التعامل مع ملف حرق الغاز المصاحب، خلال فترة تولي منصب الوزير، تمثل مرحلة مهمة في تاريخ إدارة قطاع النفط والغاز في الإقليم.

فقد شهدت هذه الفترة انتقالاً واضحاً في الخطاب والسياسة الحكومية تجاه حرق الغاز، من التعامل معه بوصفه ممارسة مرتبطة بظروف الإنتاج النفطي، إلى إعلان التوجه نحو منعه وإنهائه، وإلزام الشركات بالبحث عن حلول فنية بديلة، وفي مقدمتها إعادة حقن الغاز في المكامن النفطية أو جمعه ومعالجته واستثماره في إنتاج الطاقة الكهربائية.

وكان قرار 13 يوليو 2021، الذي منح الشركات مهلة 18 شهراً لإنهاء عمليات الحرق، أبرز القرارات التي جسدت هذا التوجه. كما شكلت المشروعات الناجحه لشركه KAR الكردستانيه العراقيه وحقول بيشكابير وتاوكي وسرقلـة أمثلة عملية على الحلول التي يمكن اعتمادها لمعالجة المشكلة والاستفادة من الغاز بدلاً من إهداره.

ومع ذلك، فإن الوقائع المنشورة خلال عام 2022 أظهرت أن إصدار القرارات لا يكفي وحده لتحقيق التحول المطلوب، وأن النجاح في هذا الملف يرتبط بتوفير التمويل والاستثمارات، ومعالجة الإشكالات التعاقدية، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز القدرات الفنية والرقابية.

وعليه، فإن التقييم الموضوعي لهذه المرحلة ينبغي أن يميز بين المبادرة السياسية والإدارية التي أطلقتها الوزارة، والمشروعات التي شهدت التنفيذ الفعلي، والنتيجة النهائية المتمثلة في التخلص الكامل من حرق الغاز، وهي نتيجة لم تتحقق خلال المهلة المعلنة.

لقد وضعت سياسة عامي 2021 و2022 ملف الغاز المصاحب في صلب النقاش حول مستقبل الثروة النفطية والغازية في إقليم كردستان، وأكدت أن قيمة الثروة الطبيعية لا تقاس فقط بما يتم استخراجه وبيعه، وإنما أيضاً بما تستطيع المؤسسات الحكومية حمايته من الهدر وتحويله إلى قيمة اقتصادية وتنموية مستدامة.

 

خبير نفطي  ووزير الثروات الطبيعية في كردستان الأسبق


مشاهدات 49
الكاتب كمال أتروشي
أضيف 2026/11/07 - 3:59 PM
آخر تحديث 2026/11/07 - 11:58 PM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 9 الشهر 15070 الكلي 16665604
الوقت الآن
الأحد 2026/11/8 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير