الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
أنين الألوان بصمت الأوطان أحدث تجارب عليوي.. من خضرة الطبيعة إلى وجع غزة ومتاهة الأحلام

← بواسطة azzaman

أنين الألوان بصمت الأوطان أحدث تجارب عليوي.. من خضرة الطبيعة إلى وجع غزة ومتاهة الأحلام

بغداد - علي الدليمي

 

اقام الفنان علي عليوي مؤخرا معرضه الشخصي الرابع عشر ، تحت عنوان (أنين الألوان بصمت الأوطان) في قاعة المعهد الفرنسي ببغداد ،الذي ضم أربع عشرة لوحة بقياسات مختلفة، وبمدارس فنية متعددة، وبموضوعات لا تسير في خط مستقيم، ليكون بمثابة اعتراف علني بأن مسيرة الفنان لا يمكن حبسها في تجربة واحدة أو توقيع بصري واحد، وأن البحث والتقدم والتراجع والتجريب هي وحدها ما تبقي الفنان حياً وقادراً على مواصلة السؤال. منذ اللحظة الأولى يدرك الزائر أن عليوي لا يريد أن يريح عين المشاهد، ولا يقدم له بانوراما طبيعية هادئة ليخرج منها مطمئناً، ولا يغلق الباب أمام السياسي والإنساني كي يبقى في منطقة «الجمال الآمن»، فقد استلهم عدداً من لوحاته من الطبيعة الزاهية، بكل ما فيها من خضرة وانفراج ولون يفتح الرئة ويعيد للعين ذاكرة الضوء، وفي المقابل قدم لوحات تحمل موضوعات سياسية عامة تتحدث عن الخراب والسلطة والذاكرة الجمعية، ولم ينس في هذا السياق أن يضع إصبعه على الجرح الأكبر اليوم: مأساة غزة المتواصلة، ذلك النزيف الذي لا يحتاج إلى تأويل ليصبح حاضراً في أي قاعة عرض عربية، وحضوره هنا لم يكن شعاراً بل كان وجعاً مقطراً باللون. يقول عليوي عن تجربته هذه: «الألوان في سراديب الظلام لها بصيص ضوء في متاهة الأحلام وشفافية الخيال ووجع الوجدان». الجملة ليست بياناً نظرياً بقدر ما هي تشخيص لحالته أثناء العمل. فهو لا يرسم ليريح نفسه، بل ليعيد ترتيب فوضاه الداخلية على سطح القماش. يتحدث عن لغز يتعمق كلما ازدادت اللوحة غنى بالأفكار والمشاعر، وعن رغبة في اكتشاف «شفرة الوجع» التي يبوح بها التأثير العاطفي وتداعياته. بالنسبة له اللون ليس زينة ولا ترفاً بصرياً، بل وثيقة، هو ترسبات مرحلة زمنية وعمرية، هو ذاكرة أوطان تغور في الداخل العميق المفعم بالخيبات والإذعان والصمود. وهنا يصبح للأحمر والبنفسجي في لوحاته وظيفة مختلفة، لا يأتيان كزخرفة أو كموضة لونية، بل كدليل على مرحلة طويلة من الكبت والتحدي.

يقول إن هذين اللونين «أرهقا المشهد الزمني في أعماقنا»، كأنهما شاهدان على سنوات لم نخرج منها بعد.. يريد عليوي أن يوثق رؤية فنية تنسجم مع نضجه العمري، ومع تماهيه مع أسرار المهنة، ومع الانصهار بجاذبية اللون وما يعكسه من تأويلات وتخيلات تأملية في فضاء الجمال، لكنه جمال لا يخلو من توتر، هو ترف لوني مشبع بتلمس الوجدان، يظهر كما يصفه كـ (موسيقى هادئة تفهمها العيون قبل العقول).

وهذا بالضبط ما يميز تعامله مع السطح: محاكاة سردية منسجمة مع الواقع، لكنها لا تكتفي بالنقل، تستحوذ على الانتباه بجاذبية اللون أولاً، ثم تفتح الباب أمام تعدد الدلالات. يراهن عليوي في هذا المعرض على حشد من الرموز والدلالات التي تتشعب وتضرب في عمق المشاهد.. لا يريد مشاركة سطحية ولا تصفيقاً مجانياً، بل يريد مشاركة وجدانية وفنية جادة وواضحة وصريحة، وينتقد ضمناً ما يسميه «العناوين الفضفاضة التي تخلق مضامين عبثية تجعل العين تتخبط بإيقاعات فارغة».

قيم فنية

هو ضد الضجيج البصري الذي لا يقول شيئاً، لذلك جاءت أعماله الأربع عشرة زاخرة بهارمونية الألوان والقيم الفنية والجمالية الواعية، السكينة هنا ليست سكوناً، والإغواء ليس سطحياً، الحرية عنده تنعكس كإيقاع موسيقي دافئ اللمعان ترقص له العيون، لكنها لا تقف عند حدود الوجدان، بل تتخطاه إلى طرح «الشفرة التخيلية» والحدس الفكري، وتترك العنان لعين المشاهد كي تحاور الحواس والمشاعر السابحة في مغامرات المجهول وإغوائه. هي لوحات تتضمن الكثير من هوس الوجدان، ومن مشاعر الإنسان المحبط الذي لم يجد بعد منفذاً للتنفس، والترجمة الحقيقية لهذا الحوار الداخلي ظهرت في طريقة تجسيده لأدق التفاصيل، عليوي لا يخاف من الزوائد ولا يخشى الفراغ، يصل إلى ما يريد عبر إذعان كامل لسحر اللون، لا عبر سيطرة تقنية باردة، وهذا ما يجعل تعدد مدارسه الفنية داخل المعرض الواحد مبرراً، فهو لا يقدم نفسه كمدرسة واحدة، بل كفنان يبحث، اليوم يلتقط الضوء كما يفعل الانطباعي. وغداً يكسر الشكل كما يفعل التعبيري، وبعد غد يضع رمزاً سياسياً مباشراً كما يفعل فن الملصق الملتزم. التنوع هنا ليس ارتباكاً، بل إعلان أن الفنان لا يمكن أن يعيش داخل قفص واحد. في لوحات الطبيعة نجد عليوي يستعيد علاقته الأولى مع اللون النقي، الخضرة لا تأتي مسطحة، بل محملة بضوء يتحرك، والسماء لا تأتي زرقاء فقط، بل مشحونة بذاكرة مكان، لكن حتى هذه الطبيعة لا تخلو من توتر، فالزهرة قد تنبت فوق أرض متشققة، والغيمة قد تحمل في بطنها لوناً قاتماً. الطبيعة عنده ليست هروباً، بل مرآة.

أما اللوحات السياسية فهي الأكثر قسوة وهدوءاً في آن واحد، لا صراخ فيها ولا شعارات، هناك إشارات، هناك أجساد غائبة، هناك ألوان ثقيلة تجلس على القماش كأنها تحمل وزن الخبر.. وعندما يصل إلى غزة لا يحتاج إلى شرح، يكفي أن يضع بقعة حمراء في غير مكانها، أو طفلاً مرسوماً بخط متقطع، أو علماً يذوب في الخلفية، حتى يفهم الجميع ما يقصده.

لا يريد أن يعلم المشاهد السياسة، بل يريد أن يذكره بأن الوجع لا يحتاج ترجمة، تقنياً، يلعب عليوي على تباين الملمس، في بعض اللوحات نجد طبقات لونية سميكة كأنها ندوب، وفي لوحات أخرى نجد سيولة مائية كأنها دموع، الخط عنده لا يحدد فقط، بل يجرح أحياناً، والمساحة الفارغة لا تعني الراحة، بل تعني الانتظار. هذا التوازن بين الامتلاء والتفريغ هو ما يمنح المعرض إيقاعه الداخلي.

العنوان نفسه يحمل هذه المفارقة: «أنين الألوان بصمت الأوطان»، كيف يئن اللون وكيف تصمت الأوطان؟ الإجابة عنده أن الأوطان حين صمتت كثيراً، تحول صمتها إلى ألوان، وأن الفنان حين لا يجد كلمات، يترك للفرشاة أن تتكلم، لذلك تبدو لوحاته كأنها تُسمع قبل أن تُرى، موسيقى تجرح ثم تعالج.

في سياق المشهد التشكيلي العراقي اليوم، يأتي معرض عليوي كتذكير ضروري بأن الفنان لا يجب أن يختار بين الجمال والالتزام، بين الذاتي والعام، بين الطبيعة والسياسة، يمكنه أن يحمل كل هذا في معرض واحد بشرط أن يكون صادقاً مع أدواته، الجمهور الذي حضر الافتتاح لم يخرج بصور جاهزة للتواصل الاجتماعي فقط، بل خرج بأسئلة، وتلك الأسئلة هي ما يريده الفنان.

الفنان علي عليوي من مواليد بابل 1964، حاصل على بكالوريوس رسم من كلية الفنون الجميلة، رسام وخطاط وشاعر ومصمم، شارك في العديد من المعارض داخل العراق وخارجه، وما يزال يواصل بحثه عن تلك الشفرة التي تربط الوجع باللون.

 


مشاهدات 90
أضيف 2026/10/27 - 1:09 PM
آخر تحديث 2026/10/28 - 3:02 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 320 الشهر 56147 الكلي 16641316
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/28 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير