تخفيض العملة العراقية.. كلفة تأجيل إصلاح الدولة
سامي العسكري
سبق أن ناقشنا في سلسلة «إصلاح الدولة العراقية» مشكلات التعيين والإنفاق وتضخم مؤسسات الدولة، وطرحنا سبل معالجتها. واليوم يعيد قرار تخفيض قيمة الدينار تلك المشكلات إلى الواجهة، لكن أثره يصل مباشرة إلى كل بيت: ماذا سيحدث للأسعار؟ وهل سيكفي الراتب أو دخل العمل لتغطية حاجات الأسرة؟
تحصل الحكومة على أموال النفط بالدولار، وتدفع الرواتب والتقاعد وكثيرًا من نفقاتها بالدينار. وعندما يرتفع سعر الدولار، تحصل على دنانير أكثر مقابل الدولارات نفسها. فالدولار الذي كان يعطيها 1300 دينار أصبح يعطيها 1500 دينار. وهذا يساعدها على دفع التزاماتها، لكنه لا يعني أن العراق حصل على أموال إضافية من بيع النفط.
حاجات أقل
أما المواطن، فيواجه نتيجة مختلفة. فراتبه قد يبقى كما هو، لكن أسعار السلع المستوردة ترتفع، ويصبح المبلغ نفسه قادرًا على شراء حاجات أقل. وقد تتمكن الحكومة من دفع الراتب كاملًا، بينما يجد صاحبه أنه لم يعد يكفي حتى نهاية الشهر.
ولا يقتصر الضرر على الموظفين والمتقاعدين. فالعامل وصاحب المهنة الصغيرة ومن يعيش على دخل غير ثابت يتأثرون أيضًا. وقد تتراجع أعمالهم إذا اضطر الناس إلى تقليل مشترياتهم. كذلك يفقد من ادخر بالدينار جزءًا من قيمة مدخراته مقابل الدولار والسلع المستوردة.
وتكون الأسر الفقيرة أشد تضررًا، لأنها تنفق معظم دخلها على الطعام والسكن والدواء، ولا تملك مجالًا واسعًا لتقليل هذه المصروفات. فمن يستطيع تأجيل شراء سيارة أو جهاز منزلي قد يتجاوز بعض أثر الغلاء، أما من يواجه صعوبة في شراء غذائه ودوائه فلا يملك الخيار نفسه.
لكن هذا لا يعني أن كل الأسعار سترتفع بالنسبة نفسها التي ارتفع بها الدولار. فبعض السلع تُنتج محليًا، وبعض التجار كانوا يشترون الدولار قبل القرار بسعر أعلى من السعر الرسمي. وتختلف الزيادة بحسب كلفة الاستيراد والنقل والمواد الأولية، وبحسب المنافسة بين البائعين. لذلك لا يصح اتخاذ القرار ذريعة لزيادة جميع الأسعار زيادة واحدة.
قد تساعد العملة الأرخص بعض المنتجات العراقية على منافسة المستورد، لأن السلعة الأجنبية تصبح أغلى. لكن المنتج العراقي يحتاج أيضًا إلى كهرباء وتمويل ونقل، وقد يستورد آلاته ومواده الأولية بالدولار. ولهذا فإن ارتفاع سعر المستورد لا يكفي وحده لزيادة الإنتاج المحلي أو توفير فرص عمل جديدة.
لا يمكن تجاهل الظروف الصعبة التي تواجهها الحكومة بسبب اضطراب صادرات النفط والأحداث الجارية في المنطقة. وقد تضطر إلى اتخاذ قرار مكلف إذا كانت البدائل أشد ضررًا، مثل تأخر الرواتب أو توقف الخدمات الأساسية. لكن من حق المواطن أن يعرف لماذا اختير هذا الإجراء، وما الخيارات التي دُرست قبله، وما الذي ستفعله الحكومة لتخفيف ضرره.
فانخفاض كمية النفط المصدرة لا يوضح وحده مقدار النقص في الأموال. يجب أن نعرف أيضًا سعر بيع النفط، لأن ارتفاعه قد يعوض بعض خسارة الكميات.
والمطلوب بيان واضح يشرح كم تحصل عليه الدولة، وكم تحتاج إلى دفعه، وما حجم المبلغ الناقص.
كما أن الأحداث الخارجية لم تنشئ المشكلة كلها. فقد توسع الإنفاق الحكومي خلال سنوات الوفرة، ونشأت التزامات تستمر حتى عندما تنخفض أموال النفط.
فالرواتب والنفقات الشهرية لا تنخفض تلقائيًا بانخفاض الإيرادات.
وهكذا تكشف كل أزمة نفطية مدى ضعف قدرة الدولة على مواجهة الأوقات الصعبة.
قبل تحميل المواطنين كلفة إضافية، ينبغي أن توضح الحكومة ما وفرته من نفقات غير ضرورية، وما خفضته من امتيازات، وما راجعته من عقود مرتفعة الكلفة.
وينبغي أن تميز بين مشروع يمكن تأجيله، وآخر يحتاجه الناس أو يساعد على زيادة الإنتاج. فإيقاف المشاريع بصورة عشوائية قد يضر بالعاملين فيها ويزيد كلفة إكمالها لاحقًا.
تغطية النفقات
وإذا كان نقص الأموال مؤقتًا، يمكن بحث قرض محدود لعبور هذه الفترة، مع بيان كلفته وكيفية سداده. أما الاقتراض المستمر لتغطية النفقات نفسها، فيضيف ديونًا وأعباء جديدة دون أن يعالج أصل المشكلة.
وقد يسأل المواطن: لماذا لا تستخدم الدولة ما لديها من احتياطي بالدولار؟ والجواب أن احتياطي البنك المركزي ليس صندوقًا مفتوحًا للإنفاق الحكومي؛ فهو ضروري لتوفير العملة الأجنبية وتمويل الاستيراد ودعم استقرار الدينار. وقد يساعد على مواجهة اضطراب مؤقت، لكن استنزافه يضعف قدرة البلد على مواجهة أزمة أطول.
وهناك أيضًا أموال يمكن تحصيلها بتطبيق قوانين الضرائب والجمارك، ومنع التهرب، ومراجعة الإعفاءات غير المبررة. والأعدل أن تتحمل الدخول الأعلى نصيبًا أكبر من العبء، بدل الاعتماد على إجراءات ترفع كلفة الحاجات الأساسية على الجميع.
وإذا كان تخفيض الدينار ضروريًا، فلا بد أن تصاحبه حماية واضحة للأسر الأقل دخلًا، من خلال مساعدات تصل إلى مستحقيها، وتأمين الغذاء والدواء، وتسهيل حصول المستوردين على الدولار عبر القنوات الرسمية. أما رفع جميع الرواتب لتعويض الزيادة في الأسعار، فقد يستهلك الأموال التي وفرتها الحكومة من القرار ويعيد المشكلة من جديد.
قد يمنح تخفيض الدينار الحكومة وقتًا لتجاوز ضائقتها، لكن المواطن يتحمل كلفة هذا الوقت من دخله ومعيشته. ومن حقه أن يرى إجراءات واضحة تعالج أسباب العجز، حتى لا يُطلب منه تحمل خسارة جديدة كلما تراجعت أموال النفط.
المطلوب أن تعلن الحكومة، إلى جانب سعر الصرف الجديد، ما ستخفضه من نفقات، وكيف ستحمي الأسر المتضررة، ومتى تظهر نتائج هذه الإجراءات.
فالمواطن يحتاج إلى أن يعرف كيف سيعيش بدخله بعد القرار، وما الذي ستفعله الدولة مقابل العبء الذي أصبح يتحمله.
كاتب عراقي مهتم بقضايا الدولة