هل نحن أمام (ربيع أوربي)؟
خالد الدبوني
ما يجري في أوروبا اليوم ليس “ربيعًا أوروبيًا”، ولا “فوضى مهاجرين” كما يحاول البعض تصويره. إنه غضب أوروبي مشروع، تراكمت أسبابه لسنوات: غلاء، سكن بعيد المنال، مدارس متدهورة، أجور لا تلحق بالأسعار، وشعور لدى الشباب بأن المستقبل أضيق من الماضي.
بدأت الشرارة في فرنسا من احتجاج طلابي على أوضاع المدارس، ثم توسعت المطالب إلى تكلفة المعيشة والخدمات العامة. هذه ليست مطالب “متطرفة”، بل مطالب مدنية بسيطة في أي ديمقراطية: أن يعيش المواطن بكرامة، وأن تظل الدولة قادرة على حماية الطبقة الوسطى والشباب من التدهور.
لكن المشكلة أن بعض جماعات فوضوية ولصوصية ركبت الموجة، فأحرقوا ونهبوا وهاجموا المؤسسات. وهنا بدأت اللعبة الخطيرة: تحويل الاحتجاج من مطلب عدالة اجتماعية إلى ملف أمني، ثم إلى ملف هوية. فبعض الأوساط السياسية والإعلامية تحاول ربط الأحداث بالمهاجرين أو المسلمين، رغم أن السلطات الفرنسية لم تقدم دليلًا رسميًا على ذلك.
هذه ليست مصادفة. فتحويل المتظاهر إلى “أجنبي” أو “إسلامي” هو أسرع طريق لتصفية شرعية مطالبه. فبدل مناقشة الغلاء والسكن والمدارس، يتحول النقاش إلى “تهديد أمني” و“أزمة هوية”. وهذه هي الوصفة نفسها التي استُخدمت في تجارب سابقة، من الربيع العربي إلى احتجاجات 2013 في العراق، حين ركبت القوى المتطرفة الموجة الشعبية وحولتها إلى كارثة.
ولا يمكن فهم هذه اللحظة دون استحضار تجربة العراق في 2013. فقد انطلقت الاحتجاجات السنية من مظالم حقيقية: اعتقالات، ملاحقات، إقصاء سياسي، وغياب العدالة. لكن غياب الاستجابة الجادة، وتعقيد المشهد الأمني، وانقسام المؤسسات، فتح المجال أمام تنظيم القاعدة ثم داعش لركوب الموجة وتحويل الغضب الشعبي إلى تمرد مسلح وصل إلى كارثة 2014.
الفرق أن أوروبا ليست العراق 2014، ولا توجد اليوم بنية تنظيمية مسلحة تقود العنف أو تسيطر على أراضٍ. لكن الخطر يبقى: أن تُترك المطالب المشروعة بلا معالجة، ويُستغل العنف الهامشي لتبرير القمع وتشويه الحركة كلها.
أوروبا لا تحتاج إلى “ربيع” مستورد، بل إلى إنصاف داخلي. وإذا فشلت في ذلك، فلا أحد يضمن ألا يتحول الغضب المشروع إلى شيء أخطر.