الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
حِين تَسير الكلماتُ على أقدامِها

← بواسطة azzaman

حِين تَسير الكلماتُ على أقدامِها

مزاحم إدريس عاشور الحمداني

 

يقول الله تعالى ﴿أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾[ البقرة: 44] .

المجتمع الإنساني بحاجةٍ إلى المخلصين الذين يقولون ويفعلون ما يقولون، والذين لا يتخذون الدِّين تجارةً والعلم بضاعةً والاستقامةً شعاراً، والذين يَسيرون على هَديِ الله ورسوله.

وإذا ابتليَ المجتمع بالذين يأمرون بالبِر وينسون أنفسهم وبالذين يقرؤون كتاب الله تعالى وآياته المُحكمة ولا تتجاوز قراءتهم حَلاقيمِهم شاع فيه المِراء والنِفاق، وتَشككَ النّاس في قِيم الأشياءِ،ونَظروا إلى أئِمتهم ومرشديهم وأصحاب الوجاهة فيهم بسخرية ما بعدها سخرية.

لذلك حرص النبي الأكرم عليه أفضل الصلاة وأتم الاستعداد على أن يكون قوله مطابقاً لفعله، وعمله جزء مِن شخصيته، لم يكن يتكلم كثيراً وإنما يفعل كثيراً، كلماته معدودة وأعماله أكثر من كلماته والنّاس بعد ذلك يقتدون به.

عندما أمر النّاس بالتَحلل من إحرامهم في صُلح الحديبية وامتنع النّاس لِتعلقهم الشديد بدخول مكة وبالطواف بالبيت الحرام، فَدَخل على زوجتهِ السيدة أم سلمَة حزيناً لأنهم لم يستمعوا إليه، فأشارت عليه تلك الزوجة الفاضلة أن يأمر حلّاقه بحلق رأسه وبذلك يَتحلل أمامهم جميعاً من إحرامه، ولما رأوه عليه الصلاة والسلام يفعل ذلك هَوَوُا جميعاً إلى رؤوسهم يُحلقونها واقتدوا به وتحللوا من إحرامهم، والشاهد قوله تعالى:( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا)[ الأحزاب: 21].

ولقد كان خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يقول لآله وذويه إني مُصدر من الغد أمراً فوالله لو خالفهُ أحدكم لضاعفت له العقوبة، وفي عام الرمَادة عندما اشتد الأمر بالمسلمين حدثت تلك المجاعة الطاحنة وعلى إثرِها امتنع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عن تناول الدهن في طعامه، فاسوَد بطنه وصار يقرقر فقال لبطنه: (قرقري أو لا تقرقري فلن تأكلي الدهن حتى يأكله سائر المسلمين).

ووقف (رضي الله عنه) مرةً يخطب في النّاس فقال: أيها النّاس اسمعوا وأطيعوا، فقام إليه رجل من العَوام وقال والله لن نسمع والله لن نطيع، فسأله عمر لماذا لا تسمع ولماذا لا تطيع؟

فرد الرجل: جاءتك أثواب من اليمن فوزعت على كل واحدٍ منّا ثوباً..ثوباً..وعليك ثوبان.

فقال عمر: أيها النّاس..أفيكم عبدالله بن عمر؟ فقام عبدالله بن عمر، وقال: بلى، فقال عمر رضي الله عنه: الثوب الزائد الذي عليّ لمن يكون؟

فقال عبدالله: يا أمير المؤمنين أعطيتك ثوبي لتكمل به ثوبك، فقال الرجل: الآن نسمع والآن نطيع.

اطمأن الرجل إلى عدالة حاكِمه وأنه يقول ويفعل ولا يتميز عليهم بأي ميزة، ولا يأمرهم بشيء ويعمل بخلافه، تلك سُنَةُ الذين أُشرِبت نفوسهم بهدي الله وهَديِ رسوله العظيم.

 لا ينبغي للرجل الكامل أن يكون ضعيفاً،والأخلاق القوية العالية تقتضي أن يكون ظاهر الإنسان كباطنه وتصرُفاته تتميز بالإنسانية والشهامة لا بالخسة والانحطاط، مَن يقول قولاً يُحسب عليه وهو مسؤول عنه أمام النّاس وأمام الله تعالى يوم القيامة،  ( يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ 88 إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)[ الشعراء:  88-89].

من أجل ذلك نبذ الإسلام كل ما يَحُطّ من مكانة الرجل ويزري به، كما رفضت سائر الشرائع السماوية والأخلاق العالمية.. القَول بلا عَمل.

 

 


مشاهدات 36
الكاتب مزاحم إدريس عاشور الحمداني
أضيف 2026/10/24 - 4:01 PM
آخر تحديث 2026/10/25 - 12:00 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 22 الشهر 48805 الكلي 16633974
الوقت الآن
الأحد 2026/10/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير