الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
 الإشاعات بين الكذب والحقيقة

← بواسطة azzaman

أذن وعين

 الإشاعات بين الكذب والحقيقة

عبد اللطيف السعدون

 

ينقل عن الكاتب الأميركي الساخر مارك توين قوله «إن الكذبة تسافر حول نصف الكرة الأرضية قبل أن تنتعل الحقيقة حذاءها»، كان ذلك يتم أيام زمان، لكن في عصرنا الحالي أصبحت الكذبة، بفعل التكنولوجيا المتجددة كل ساعة، تستقر في كل موضع من الكرة الأرضية في وقت واحد!

هكذا تنتشر الإشاعات في لمح البصر، ونتعرض نحن لسيل منها عبر وسائل التواصل منذ أن ننهض صباحا والى ساعات الليل.يفسر علماء الاجتماع ظاهرة انتشار الشائعات كونها تلبي رغبة في اعماقنا لفهم الأحداث على النحو الذي نريده، ولملء الفجوات في واقعة ما، خاصة عندما نكون في حاجة لتهدئة حالة عدم اليقين في نفوسنا ومن هنا نجد تصاعد الإشاعات وانتشارها في أوقات الأزمات، وفي أزمنة التحولات الاجتماعية أمرا بديهيا، ويخلق غياب المعلومات الرسمية أو الموثوقة دوره في تكريس هذه الظاهرة بما قد يؤدي الى مضاعفات أو ردود أفعال غير محسوبة.

مجموعات معينة

والذين اعتادوا صنع الإشاعات وترويجها يعكسون شعورا زائفا بالفهم والقدرة على تحليل واقعة ما، والسيطرة على مجموعات اجتماعية معينة.

وما يقوله العلماء أيضا أن هناك ميلا بشريا إلى مشاركة المعلومات وبناء سرديات جماعية تغذيها مشاعر الخوف والغضب والملل، وتكمن المشكلة في أن المشاعر الجياشة قد تشوه إدراكنا للواقع، وتجعلنا أكثر عرضة لتصديق معلومات غير مؤكدة أو كاذبة.

وتتعامل بعض الحكومات مع الشائعات بشيء من الاهتمام وخاصة في الدول ذات الأنظمة المغلقة حيث تنشيء إدارات داخل اجهزة المخابرات تكون معنية برصد الشائعات وتحليلها والرد عليها، ومن ناحية أخرى قد تقوم هذه الإدارات ببث وترويج شائعات يكون لها هدف معين، وقد تصل عمليات كهذه الى صانع القرار الأول، ملكا كان أو رئيسا، لتعينه على اتخاذ القرار الصائب في قضية ما، وقد لاحظنا في عالمنا العربي من الحكام من يهتم بذلك على نحو غير اعتيادي، ويروى عن الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر أن جهاز المخابرات كان يرفع له شهريا تقريرا عن الشائعات والنكات ذات الصلة بالقضايا العامة، وقد يوصي بالرد على اشاعة معينة او اهمالها، كذلك كان جهاز المخابرات العراقي يرفع الى الرئيس صدام حسين تقارير دورية بنفس المضمون.

اجتماع فرنسي

وتلعب الإشاعات دورا مهما في مراحل التغيير والتحول الاجتماعي، ولا ينظر اليها على انها مجرد ثرثرة عفوية أو رد فعل سلبي، وهذا ما يراه عالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران في نظرته الى الشائعات، إذ يعتبرها هياكل اجتماعية معقدة تعكس مخاوف ورغبات ومعتقدات مجموعة اجتماعية في مرحلة زمنية معينة، تجمع بين النوازع النفسية للبشر، والصراعات الطبقية، والموروث الثقافي والتحولات الاجتماعي في آن واحد، وهي تؤدي وظائف اجتماعية محددة مثل التعبير عن السخط والنقمة، أو تعزيز الهوية الجماعية، أو خلق التماسك الاجتماعي.

اليوم، ومع ظهور تطبيقات الذكاء الاصطناعي يتحقق للشائعات مجال أوسع للانتشار، وأكثر قابلية التحليل، كما يتيح لنا كمتلقين أو حتى كمنتجين للشائعات قدرة على استباق ردود الفعل على إشاعة ما، وبالتالي الوصول إلى نتائج أفضل في اتجاه الهدف الذي نريده.

وهكذا تبــــــــــقى الشائعة متأرجحة بين دائرة الصدق ودائرة الكذب، حتى تستقر على نحو ما لتنهض بعدها شائعة جديدة تأخذ منحى مختلفا. 

وفي ظل كل هذه التداعيات يمكننا أن نسأل أنفسنا: كيف يمكننا التعامل مع الشائعات التي يمتلئ بها فضاء بلد معين، العراق مثلا، والجواب هو أن علينا أن نفكر مرتين قبل أن نشارك في إيصال أية شائعة إلى الآخرين، خاصة إذا كانت الشائعة قد أعدت لتخلق ضررا في قطاع معين أو أن تلــــــــحق اذى بشخص محـــــــدد، وهـــــــذا هو الحل.      

 

 


مشاهدات 223
الكاتب عبد اللطيف السعدون
أضيف 2026/10/24 - 4:00 AM
آخر تحديث 2026/10/25 - 6:35 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 616 الشهر 49399 الكلي 16634568
الوقت الآن
الأحد 2026/10/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير