الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
في بلاد النفط خريجون عاطلون عن العمل

← بواسطة azzaman

في بلاد النفط خريجون عاطلون عن العمل

هند الحافظ

 

في العراق، لا يحتاج الشاب إلى دليل ليكتشف أن مستقبله مسروق؛ يكفيه أن ينظر في المرآة، ليرى وجهًا أنهكته السنوات وهو لا يزال شابًا. لا شيء يُمنح له سوى الانتظار: انتظار  وظيفة لا تأتي، وفرصة لا تُولد، وواسطة لا يملكها، وحق في العيش الكريم لا يجد من يعترف به!

هنا، حيث تُعلَّق الأحلام على وعود التعيين، يعيش الخريجون حياة مؤجلة.،سنوات من الدراسة تنتهي بشهادة معلقة على الجدار، وبحث طويل عن عمل قد لا يأتي. بعضهم يقبل بأي مهنة توفر له قوت يومه، وبعضهم يظل عاطلًا، فيما يقع آخرون ضحية إعلانات التوظيف الوهمية والاحتيال.

وبحسب أحدث بيانات وزارة التخطيط، بلغ معدل البطالة 13.5 بالمئة. لكن ماذا يعني هذا الرقم خلف الأبواب المغلقة؟ يعني خريجًا ينتظر سنوات فرصة لا تأتي، وشابًا يعمل في مهنة لا تمت إلى تخصصه بصلة، وطاقات بشرية يمكن أن تكون قوة إنتاج وبناء، لكنها تُترك على هامش الحياة.

في بلدٍ كهذا، ليس غريبًا أن تجد مهندسًا يعمل سائق أجرة، أو خريجًا جامعيًا يبيع في متجر، أو صاحب شهادة يبحث عن أي عمل لا علاقة له بما درسه  لسنوات. لكن السؤال الأهم: كيف تتحدث الدولة عن الإصلاح والتنمية، بينما تُهدر هذه الطاقات ولا تجد طريقًا إلى سوق العمل؟ وأي مستقبل يمكن أن نبنيه إذا كان التعليم يقود إلى البطالة بدل أن يقود إلى الإنتاج؟

البطالة ليست مشكلة اقتصادية فحسب. فحين تُغلق أبواب العمل أمام الشباب، تتسع مساحة اليأس والاستغلال، ويصبح بعضهم أكثر عرضة للجريمة والمخدرات والأعمال غير المشروعة. فماذا يحدث لشاب يمتلك الطاقة والطموح، لكنه لا يجد وسيلة مشروعة للعيش من عمل يؤمن له حياة ؟ وأي مجتمع يمكن أن يحافظ على استقراره حين يشعر المتعلم بأن أبواب المستقبل مغلقة أمامه ؟

هنا تتحول البطالة من رقم في تقرير إلى قضية تمس الأمن الاجتماعي والاستقرار. فكل سنة يقضيها  خريج في انتظار وظيفة هي سنة من عمره لا يمكن استعادتها، وكل طاقة تُهدر اليوم تمثل خسارة اقتصادية واجتماعية تتراكم آثارها مع الوقت.

والدولة التي تكتفي بالمؤتمرات والخطط والاستراتيجيات الورقية تتعامل مع المشكلة من زاويتها الإدارية، لا من بعدها الإنساني. خلف كل رقم عاطل إنسان لديه أحلام ومسؤوليات وأسرة ومستقبل. وخلف كل شهادة بلا عمل سنوات من الجهد والإنفاق .

العراق ليس بلدًا فقيرًا، لكنه أُرهق بسوء الإدارة والسياسات الخاطئة. ولا تنقصه الكفاءات ولا الموارد ولا الأيدي القادرة على العمل؛ ما ينقصه هو نظام اقتصادي وإداري قادر على تحويل هذه الطاقات إلى فرص حقيقية، بدل أن تبقى الثروة بعيدة عن حياة الناس.

ولا يمكن الحديث عن الأمن والاستقرار بمعزل عن العدالة الاجتماعية. فالشاب الذي يجد فرصة للعمل والإنتاج يكون أقدر على بناء مستقبله والمشاركة في بناء وطنه، أما من يُترك طويلًا في دائرة البطالة والعجز، فقد يتحول إحباطه إلى مشكلة تتجاوز حياته الشخصية وتمس حياة المجتمع كله.

لذلك، فإن مواجهة البطالة لا ينبغي أن تكون ملفًا مؤجلًا من خطة إلى أخرى، ولا شعارًا يُستعاد في مواسم الانتخابات والمؤتمرات. إنها قضية تتعلق بمستقبل العراق، وبحق الشباب في أن يجدوا فرصة حقيقية للعمل والحياة داخل وطنهم.

فإلى متى يستمر بلدٌ يملك كل هذه الثروات في العجز عن توفير فرص عمل لأبنائه؟ ومن يتحمل مسؤولية آلاف الخريجين الذين أمضوا سنوات في الدراسة والانتظار ، ثم وجدوا أبواب العمل مغلقة أمامهم؟

وكيف نطلب منهم  أن يؤمنوا بالمستقبل إذا كان وطنهم لا يمنحهم فرصة لصناعة  حياة كريمة لهم ؟             

 


مشاهدات 214
الكاتب هند الحافظ
أضيف 2026/10/24 - 3:31 AM
آخر تحديث 2026/10/25 - 6:08 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 530 الشهر 49313 الكلي 16634482
الوقت الآن
الأحد 2026/10/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير