الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
المفكر شعبان وأزمة المثقف العربي


المفكر شعبان وأزمة المثقف العربي

كلمة الشاعرة والاعلامية لوركا سبيتي

 

في معرفتي الشخصية بالدكتور عبد الحسين شعبان، أبهرني توهّج هذا الوعي، وشغف رجل ما زالت الفكرة قادرة على أن تستفزّه، والقصيدة على أن تستوقفه. ولأنني آتية من الشعر، يشدّني في المفكّر ما تفعله المعرفة بروحه؛ كيف تتّسع بها رؤيته، وكيف يصغي، وكيف يترك في يقينه مكانًا لسؤال لم يخطر له بعد.

وأنا، إذ أقدّمه اليوم، أفكّر في تلك المسافة التي يقطعها الإنسان بين ما آمن به وما تعلّمه؛ في ما يتطلّبه عبورها من صدق مع النفس، وفي قدرة المرء على مراجعة أفكاره، وهو يحمل فيها شيئًا من شبابه، ووجوه رفاقه، وأحلام الذين أحبّهم. فبعض الأفكار تسكننا حتى يصبح سؤالها سؤالًا عمّن كنّاه، وعمّا نريد أن نكونه.

من أصعب ما يفعله المثقّف أن يعود إلى الأفكار التي كوّنته، وأن يسألها عمّا فعلته به وبالعالم. في تلك اللحظة، يكون هو أيضًا موضوعًا للنقد: تاريخه، وانحيازاته، والأحلام التي منحها عمره. وتصبح المراجعة امتحانًا لشجاعة نادرة: أن نحتفظ بشغف العدالة، ونحن نعيد النظر في الطرق التي اعتقدنا أنّها توصل إليها.

من هذا الامتحان، ندخل إلى تجربة الدكتور عبد الحسين شعبان؛ المفكّر العراقي، والباحث في القانون وحقوق الإنسان، الذي تتقاطع في مشروعه أسئلة الثقافة والحرية والتسامح والدولة. تجربة تجمع المعرفة الأكاديمية بالانشغال بالشأن العام، وتضع الفكر أمام مسؤوليته في حياة البشر.

وللماركسية في هذه التجربة موقع يتّصل بالسيرة كما يتّصل بالمعرفة. فقد عرفها شعبان في القراءة والعمل السياسي، وعاش جانبًا من التجربة الاشتراكية خلال دراسته في تشيكوسلوفاكيا. ومن كتبه «تحطيم المرايا: في الماركسية والاختلاف»، و«الحبر الأسود والحبر الأحمر: من ماركس إلى الماركسية»، وصولًا إلى كتابه الذي نجتمع حوله اليوم، تتواصل مراجعة فكرية لانتماء عاشه، ولأسئلة ما زالت مفتوحة.

وتكمن أهمية هذه المراجعة في السؤال الذي تضعه أمامنا جميعًا: ماذا يفعل المثقّف حين يفترق الواقع عن الصورة التي رسمتها له نظريته؟ هل يصغي إلى ما يحدث، أم ينصرف إلى الدفاع عمّا توقّع حدوثه؟ وكم من الوقائع نستبعدها، لأنّ الاعتراف بها يربك يقيننا؟

هنا، نقترب من عنوان جلستنا: «أزمة المثقّف العربي».

لعلّ جانبًا من هذه الأزمة يبدأ حين تصبح للمثقّف إجابة تسبق كلّ سؤال؛ حين يرى استبداد خصمه بوضوح، ويتلعثم أمام استبداد حليفه؛ وحين يمنح الفكرة التي ينتمي إليها حصانة من النقد، ثم يطالب العالم كلّه بالمراجعة.

لكنّ للمثقّف، بدوره، أسئلة يوجّهها إلى عالم يضيّق على حريّته، وإلى سلطة تريد معرفته وتخشى استقلاله، وإلى مجتمع قد يطلب منه أن يؤكّد قناعاته أكثر ممّا يحتمل منه مساءلتها. فأين تتقاطع مسؤوليّته عمّا آل إليه دوره، مع الشروط التي تحاصر هذا الدور؟

يفتح كتاب «الماركسية والمتمركس والماركسولوجيا» بابًا لهذه المناقشة. وفي استهلاله، يضع شعبان مراجعته في مواجهة نزعتين: تقديس الماركسية، والاستخفاف بمنجزها؛ ويقترح قراءة نقدية تاريخية تختبر أفكارها في ضوء تحوّلات المجتمعات وأسئلتها.

ومن هنا، يصبح العنوان نفسه سؤالًا: ما الذي يحدث للفكرة بين نصوص مؤسّسيها، وقراءات ورثتها، وممارسات الأحزاب والسلطات التي تحدّثت باسمها؟ وكيف نقرأ فكرًا نشأ في القرن التاسع عشر، ونحن نواجه تحوّلات العمل والمعرفة والذكاء الاصطناعي؟ وما الذي تستطيع أدواته أن تضيئه، وما الذي يحتاج فيه إلى مراجعة؟

نرحّب بالدكتور عبد الحسين شعبان، والدكتورة الأميرة منى رسلان، والقاضي زياد شبيب، ونشكر النادي الثقافي العربي ودار النهار على هذا اللقاء، في معرض بيروت العربي الدولي للكتاب.

ونبدأ من سؤال يخصّ كلّ مثقّف، مهما كان انتماؤه: حين تتعارض حريّة السؤال مع طمأنينة الانتماء، أيّهما نملك شجاعة اختياره؟

 


مشاهدات 70
الكاتب لوركا سبيتي
أضيف 2026/10/24 - 2:58 AM
آخر تحديث 2026/10/24 - 4:08 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 384 الشهر 46753 الكلي 16631922
الوقت الآن
السبت 2026/10/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير