سلاماً يا شعب العراق
كامل كريم الدليمي
سلاماً على شعبٍ طال عليه الانتظار، وكثرت عليه المحن، حتى أصبح الصبر جزءاً من حياته، وأصبح الأمل هو النافذة التي يتطلع منها إلى غدٍ أفضل.
منذ عقود طويلة، والعراقيون يعيشون بين أهوالٍ متعاقبة، وحروبٍ وانهيارات، وقتلٍ وأسرٍ وترويع، وضغوطٍ داخلية وخارجية، وظروفٍ معيشية أثقلت كاهل الإنسان العراقي وأرهقت الأسرة والمجتمع والدولة.
لم يعرف العراقي، خلال هذه العقود، معنى الاستقرار الكامل، ولم ينعم طويلاً بالطمأنينة، ولم يسكن حاله على وضعٍ ثابت. كلما ظن أن العاصفة هدأت، جاءت عاصفة أخرى، وكلما حاول أن يلتقط أنفاسه، وجد نفسه أمام امتحان جديد.
وقدّم العراقيون من التضحيات ما يكفي لأجيال، وصبروا على ما قد لا يحتمله شعب آخر. صبروا حتى ملَّ الصبر منهم، وحتى أصبحت المعاناة في بعض مراحلها أمراً مألوفاً، وأصبح العراقي أحياناً لا يدرك حجم الضغوط التي تحيط به، لكثرة ما اعتاد عليها.
ضغوط الحرب، وضغوط السياسة، وضغوط المعيشة، وضغوط العمل، وضغوط الأسرة، وضغوط المجتمع والمنطقة… كلها تراكمت حتى أثقلت الإنسان العراقي نفسياً واجتماعياً واقتصادياً.
ولكن… إلى متى؟
ربما لا نملك اليوم جواباً دقيقاً عن هذا السؤال، لكننا نملك شيئاً أعظم من الإجابة: نملك حسن الظن بالله.
يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه:
إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ.
وأجر الصابر على الله، ومن كان أجره على الله فلا خوف عليه من ضياع حقه، ولا من نهاية صبره.
ولذلك، فإن رسالتي إلى العراقيين اليوم ليست إلا: اصبروا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة.
ليس المقصود أن يبقى العراقي أسيراً للمعاناة، أو أن يكون الصبر استسلاماً للواقع، بل أن يبقى متمسكاً بالأمل، مؤمناً بأن الليل مهما طال فلا بد أن يعقبه فجر، وأن الشدة مهما اشتدت فلا بد أن يأتي بعدها فرج.
نحن نحسن الظن بالله، ونؤمن أن لهذا الشعب الذي عانى ما عانى، حقاً في الرحمة والسكينة والعيش الكريم. ونرجو أن ينظر الله سبحانه وتعالى إلى العراقيين بعين الرحمة واللطف، وأن يعوضهم عن سنوات الخوف والقلق والفقد، وأن يبدل أحزانهم أمناً، وتعبهم راحة، وخوفهم طمأنينة، وانقسامهم وحدة، وفقرهم رخاءً، وحيرتهم أملاً بمستقبلٍ أكثر إشراقاً.
سلاماً يا شعب العراق…
سلاماً على صبركم، وعلى تضحياتكم، وعلى قلوب الأمهات التي انتظرت، وعلى الآباء الذين تحملوا، وعلى الشباب الذين كبروا وسط الأزمات، وعلى الأطفال الذين يستحقون أن يعيشوا طفولةً لا تعرف الخوف.
لقد أخذت منكم السنوات الكثير…
لكن لا تسمحوا لها أن تأخذ منكم الأمل.
فالـــله أرحم بنا من أنفسنا، وأعلم بما تحملناه، وأعلم بما في قلوبنا، وهو العزيز الغفار. ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله اليوم، ونحن ننظر إلى مستقبل العراق، هو:
يا رب… لقد طال بنا الصبر، فاجعل بعد هذا الصبر فرجاً، وبعد هذا التعب راحة، وبعد هذه السنوات العصيبة أياماً تليق بشعب العراق.
سلاماً يا شعب العراق…
ولعل القادم أجمل بإذن الله .