الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الورقة النقدية التي قدمت في مهرجان النور الثقافة والابداع  التاسع في القاهرة.. شعبان بين الماركسية والقومية


الورقة النقدية التي قدمت في مهرجان النور الثقافة والابداع  التاسع في القاهرة.. شعبان بين الماركسية والقومية

حمدي العطار

 

المثقف الحزبي: من الالتزام التنظيمي إلى الاستقلال النقدي

منذ انهيار الاتحاد السوفيتي لم تعد العلاقة بين الحزب والمثقف تحتفظ بالأهمية نفسها التي كانت تتمتع بها في القرن العشرين. فقد انهار أو تراجع نموذج سياسي وفكري كان يمنح الحزب موقعاً مركزياً في حياة المثقف ويجعل الانتماء الحزبي جزءاً من مشروعه الفكري والاجتماعي بل وأحياناً جزءاً من هويته الشخصية.

ولم يكن الذي تغير هو شكل الحزب وحده، وإنما تغيرت أيضاً صورة المثقف ودوره ووظيفته. فالمثقف الحزبي الذي كان ينتمي إلى تنظيم يمتلك رؤية شاملة للعالم ويشارك في صياغة مشروع سياسي واجتماعي وجد نفسه أمام واقع جديد: تراجع الأحزاب العقائدية، وانحسار التنظيمات الجماهيرية، وتراجع سلطة الأيديولوجيا، وصعود الفردانية وتعدد مصادر المعرفة والتأثير.

وهنا يبرز سؤال لا يمكن تجاوزه: هل انتهى دور المثقف الحزبي أم أن الذي انتهى هو الشكل القديم لهذا الدور؟

ربما يكون من الخطأ النظر إلى المثقف الحزبي بوصفه مجرد عضو في تنظيم سياسي لأن المثقف في جوهر دوره، يفترض أن يمتلك قدرة نقدية تسمح له بأن يرى ما لا تراه المؤسسة، وأن يسأل الأسئلة التي قد لا ترغب المؤسسة في سماعها. ومن هنا تنشأ المفارقة: الحزب يحتاج إلى المثقف لأنه يمنحه العمق الفكري والقدرة على قراءة المجتمع، لكن المثقف يحتاج إلى مسافة نقدية عن الحزب كي لا يتحول إلى مجرد مبرر لسياساته.

لقد كان السؤال في الماضي: كيف يكون المثقف وفياً لحزبه؟

أما السؤال اليوم فيمكن أن يكون أكثر تعقيداً: كيف يكون المثقف وفياً لقيمه وأفكاره حتى عندما تتعارض مع موقف حزبه؟

ومن هذه الزاوية فإن تجربة المثقف الحزبي لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها تجربة انتهت بانتهاء النموذج السوفيتي، بل باعتبارها تجربة تاريخية وفكرية ما زالت تطرح أسئلة عن العلاقة بين الالتزام والحرية وبين التنظيم والاستقلال وبين الموقف السياسي والضمير النقدي.

ولعل التجارب التي انتقل فيها المثقف من الالتزام الحزبي الصارم إلى المراجعة النقدية والاستقلال الفكري تكشف لنا أن مغادرة التنظيم لا تعني بالضرورة مغادرة الأفكار كما أن البقاء داخل الحزب لا يعني بالضرورة التخلي عن النقد.

ومن هنا تنطلق محاضرتنا من سؤال جوهري: ما الذي بقي من المثقف الحزبي بعد سقوط النموذج القديم؟ وهل يمكن أن نتصور مثقفاً حزبياً جديداً، يكون ملتزماً بقضايا المجتمع، لكنه لا يتنازل عن استقلاله النقدي؟

هذه المقدمة، في رأيي، تهيئ بشكل ممتاز للانتقال إلى تجربة عبد الحسين شعبان تحديداً، لأنها تجعل تجربته حالة تطبيقية على السؤال الأكبر: كيف ينتقل المثقف من الالتزام الحزبي إلى الاستقلال النقدي من دون أن يتحول ذلك إلى قطيعة مع العدالة الاجتماعية والفكر الماركسي؟

 

*عندما نتحدث عن المفكر العراقي عبد الحسين شعبان فإننا لا نتحدث عن رجل خرج من حزب شيوعي وانتهى الأمر، ولا عن مثقف انتقل ببساطة من الماركسية إلى القومية، وإنما نتحدث عن رحلة فكرية طويلة من الالتزام إلى المراجعة، ومن اليقين التنظيمي إلى السؤال النقدي.

وهنا تكمن أهمية تجربة شعبان.

فالمثقف الحقيقي في رأيي ليس هو الذي يظل أسيراً للأفكار التي تبناها في شبابه، وليس الذي يغير أفكاره مع كل تغير سياسي، وإنما هو الذي يمتلك شجاعة أن يسأل نفسه: هل ما كنت أؤمن به ما زال صالحاً؟ وأين كانت أخطائي؟ وهل تستطيع النظرية أن تفسر العالم كله؟

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة عبد الحسين شعبان بين الماركسية والقومية.

*من الحزب إلى الاستقلال النقدي

نشأ شعبان في بيئة سياسية وفكرية كان فيها الانتماء الحزبي يعني أكثر من مجرد الانتماء إلى تنظيم سياسي كان يعني منظومة كاملة من الأفكار والمواقف والرؤى.

والخروج من الحزب في تلك المرحلة لم يكن أمراً سهلاً لأن الحزب كان بالنسبة إلى كثير من المثقفين مدرسة سياسية وفكرية وربما كان أيضاً جزءاً من الهوية الشخصية.

لكن شعبان بعد خروجه من الحزب الشيوعي العراقي لم يعلن القطيعة مع الماركسية بل حاول أن يفصل بين الماركسية بوصفها منهجاً نقدياً وفلسفة للعدالة الاجتماعية وبين التنظيم الحزبي بوصفه إطاراً سياسياً له شروطه وانضباطه ومواقفه.

وهنا يظهر السؤال الأول:

هل يمكن أن تكون ماركسياً خارج الحزب؟

أم أن الماركسية تفقد معناها عندما تخرج من التنظيم؟

تجربة شعبان تقول إن الماركسية يمكن أن تتحول من عقيدة تنظيمية إلى أداة للتفكير والنقد والتحليل.

وهذا التحول ليس بسيطاً لأنه يعني الانتقال من سؤال: ماذا يقول الحزب؟ إلى سؤال: ماذا يقول الواقع؟

وهذا، في تقديري، أحد أهم مفاتيح قراءة تحربة عبد الحسين شعبان

وهذه الأسئلة هي التي تنقل الفكر من الموقف السياسي المباشر إلى التحليل النقدي.

*تحطيم المرايا: تحطيم احتكار الحقيقة

ولعل كتاب "تحطيم المرايا – في الماركسية والاختلاف" يمثل محطة أساسية في مشروع شعبان.

فالمرايا هنا ليست مجرد صورة بلاغية إنها صورة للفكر عندما يرى نفسه فقط ويعتقد أنه يمتلك الحقيقة كاملة.

وهذا يقودنا إلى واحدة من أهم القضايا في تجربة شعبان:

احتكار الحقيقة.

لقد عانت التيارات الفكرية والسياسية وليس اليسار وحده من فكرة أن هناك حقيقة واحدة ومن يمتلكها يمتلك الحق في الحكم على الآخرين.

لكن الماركسية نفسها قامت في جانب مهم منها على النقد.

فكيف تتحول النظرية النقدية إلى عقيدة لا تقبل النقد؟

هنا يستعيد شعبان روح العبارة الشهيرة المنسوبة إلى ماركس:

"كل ما أعرفه أنني لست ماركسياً".

وبغض النظر عن سياق العبارة التاريخي فإن دلالتها الفكرية مهمة: لا تحول النظرية إلى دين جديد.

الماركسية، إذا تحولت إلى نص مغلق تفقد إحدى أهم خصائصها أي قدرتها على تفسير الواقع وتغييره.

ومن هنا حاول شعبان إعادة فتح الأسئلة حول علاقة الماركسية بالدين، والثقافة، والقومية، والهوية.

*شعبان والقضية القومية

وهنا نصل إلى السؤال الأكثر إثارة:

هل يمكن أن يكون المثقف ماركسياً وقومياً في الوقت نفسه؟

قد يبدو السؤال متناقضاً للوهلة الأولى.

فالماركسية تنطلق من الصراع الطبقي والأممية، بينما تركز القومية على الأمة والهوية والانتماء الوطني والقومي.

لكن الواقع العربي أكثر تعقيداً من هذه الثنائية.

فالإنسان لا يعيش طبقياً فقط، ولا يعيش قومياً فقط.

إنه يعيش في مجتمع له تاريخ ولغة وثقافة وذاكرة وهوية.

ومن هنا جاء اهتمام شعبان بالقضية الفلسطينية، ودفاعه عنها ومحاولته معالجة ما اعتبره نقصاً في بعض القراءات اليسارية للقضايا القومية.

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا:

هل كان على اليسار العربي أن يتجاهل المسألة القومية بحجة الأممية؟

أم أن تجاهل الهوية المحلية والقومية ساهم، في بعض المراحل في خلق مسافة بين اليسار والمجتمع؟

هذه ليست قضية نظرية فقط إنها قضية تتعلق بعلاقة المثقف بجمهوره.

فالأفكار التي لا تستطيع التواصل مع المجتمع تتحول في النهاية إلى نخبة مغلقة تتحدث مع نفسها.

*القانوني والشرعي

ومن المجالات التي توسع فيها مشروع شعبان المجال القانوني.

وهنا حاول أن يميز بين ما هو قانوني وما هو شرعي.

وهذا التمييز مهم جداً لأن النظام الدولي لا يتحرك دائماً وفق قاعدة أخلاقية مجردة بل وفق قوانين واتفاقيات وقرارات دولية، وفي الوقت نفسه تحكمه موازين قوى ومصالح دولية.

ومن هذا المنطلق جاء موقفه من الاحتلال الأمريكي للعراق الذي اعتبره فاقداً للشرعية.

كما ناقش إشكاليات الدولة والدستور بعد عام 2003، وطرح مفهوم "اتفاقية الإذعان" في العلاقات غير المتكافئة.

وهنا تبرز مفارقة كبيرة:

هل يكفي أن تكون الاتفاقية موقعة حتى تكون عادلة؟

وهل كل ما هو قانوني يكون بالضرورة مشروعاً أخلاقياً؟

وهل تستطيع دولة ضعيفة أن تفاوض دولة قوية على قدم المساواة؟

هذه الأسئلة تجعل القانون نفسه موضوعاً للنقد السياسي والاجتماعي وليس مجرد نصوص جامدة.

*شعبان: الماركسية التي خرجت من الحزب

إذا أردنا أن نلخص تجربة عبد الحسين شعبان، فلا أعتقد أن العبارة الأدق هي:

"شعبان ترك الماركسية واتجه إلى القومية".

الأدق في تقديري هو القول:

شعبان حاول أن يحرر الماركسية من احتكار التنظيم وأن يحرر المثقف من احتكار النظرية للحقيقة.

وهنا تكمن خصوصية تجربته.

فهو لم يعد ينظر إلى الماركسية باعتبارها إجابات نهائية وإنما باعتبارها جزءاً من التراث الفكري الذي يمكن إعادة قراءته.

كما أنه لم ينظر إلى القومية باعتبارها بديلاً كاملاً للماركسية بل حاول أن يفتح مساحة للحوار بين العدالة الاجتماعية والهوية الوطنية والقومية.

وهذه المحاولة ليست بالضرورة خالية من التناقضات.

بل ربما تكون قيمة التجربة في وجود هذه التناقضات نفسها.

لأن الفكر الذي لا يتناقض أحياناً هو فكر لم يدخل إلى الأسئلة الصعبة.

*سؤال المثقف

وهنا أصل إلى السؤال الذي أراه الأهم في تجربة شعبان:

متى يصبح المثقف حراً؟

هل يصبح حراً عندما يخرج من الحزب؟

أم عندما يتوقف عن ترديد أفكار الآخرين؟

أم عندما يمتلك شجاعة مراجعة نفسه؟

ربما الحرية الفكرية لا تبدأ بالخروج من التنظيم، وإنما تبدأ عندما يصبح المثقف قادراً على أن يقول:

كنت مخطئاً هنا وأصبت هنا وما زلت أبحث هنا.

وهذه الشجاعة هي جوهر النقد الذاتي.

فالمثقف الذي لا يراجع نفسه يتحول إلى حارس لماضيه.

أما المثقف الذي يراجع نفسه فإنه يحول تجربته الشخصية إلى معرفة يمكن للآخرين الاستفادة منها.

*أسئلة للنقاش

وفي نهاية هذه القراءة، لا أريد أن أقدم حكماً نهائياً على تجربة عبد الحسين شعبان، بل أريد أن أترك مجموعة من الأسئلة مفتوحة أمامكم:

هل يمكن فعلاً تبني الماركسية خارج الإطار الحزبي أم أن النظرية بلا تنظيم تتحول إلى خطاب ثقافي مجرد؟

وهل كانت مراجعات شعبان للماركسية تطوراً فكرياً طبيعياً، أم تصحيحاً متأخراً لبعض المواقف السابقة؟

وهل الجمع بين الماركسية والقومية مشروع فكري قابل للحياة أم أن بينهما تناقضات يصعب تجاوزها؟

وهل كان كسر احتكار الحقيقة داخل التيارات اليسارية سبباً في تجديدها، أم أنه أدى في بعض الحالات إلى تفككها؟

ثم سؤال آخر يتعلق بالقانون:

إلى أي مدى نستطيع الفصل بين "القانوني" و"الشرعي"في نظام دولي تحكمه أيضاً موازين القوى؟

والسؤال الأهم بالنسبة إلى مستقبل اليسار العربي:

هل يستطيع اليسار أن يستعيد حضوره من دون مراجعة علاقته بالدين والهوية والثقافة المحلية؟

وأخيراً، ربما يكون السؤال الأكثر استفزازاً:

لو بقي عبد الحسين شعبان داخل التنظيم الحزبي هل كان يستطيع إنتاج المشروع النقدي نفسه الذي أنتجه بعد خروجه؟

لا أملك إجابة نهائية عن هذا السؤال.

لكنني أعتقد أن قيمة تجربة شعبان تكمن تحديداً في أنها تجعلنا نطرح السؤال.

لأن الفكر الذي يخشى السؤال يتحول إلى عقيدة والمثقف الذي يخشى مراجعة أفكاره يتحول إلى أسير لتاريخه.

أما المراجعة، فهي ليست خيانة للماضي، وإنما محاولة لفهمه.

وربما لهذا السبب يمكن قراءة تجربة عبد الحسين شعبان لا بوصفها انتقالاً من الماركسية إلى القومية، وإنما بوصفها رحلة من اليقين إلى السؤال، ومن الالتزام التنظيمي إلى الاستقلال النقدي، ومن احتكار الحقيقة إلى تعددها.

وهنا تكمن أهمية التجربة، وهنا أيضاً يبدأ الحوار الحقيقي معها.


مشاهدات 25
الكاتب حمدي العطار
أضيف 2026/10/06 - 3:13 PM
آخر تحديث 2026/10/07 - 12:57 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 112 الشهر 10584 الكلي 16595753
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/7 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير