الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ويسألونك عن بيت الحكمة... من قيادة الكفاءات إلى قيادة الإملاءات

← بواسطة azzaman

ويسألونك عن بيت الحكمة... من قيادة الكفاءات إلى قيادة الإملاءات

رضا كامل الموسوي

 

لم يكن بيت الحكمة في بغداد مجرد خزانة للكتب، ولا مؤسسة تجمع المترجمين والنساخ والعلماء تحت سقف واحد، بل كان واحدا من أعظم المشاريع المعرفية التي شهدها التاريخ الإسلامي؛ لأنه أدرك، قبل قرون طويلة، أن الحضارات لا تنهض بما ترثه من معارف فحسب، وإنما بما تستطيع أن تضيفه إليها. فالعلم لا وطن مغلقا له، والمعرفة لا تنتمي إلى أمة بقدر ما تنتمي إلى العقل القادر على فهمها وتطويرها وإعادة إنتاجها.

في بغداد العباسية، ومنذ البدايات التي ارتبطت بخزائن الكتب ورعاية الخلفاء للعلم، ثم في عهد هارون الرشيد والمأمون، تطورت حركة واسعة لجمع المؤلفات وترجمتها ودراستها. وكانت اليونانية والسريانية والفارسية والهندية من المنابع التي تدفقت منها علوم الطب والفلسفة، والمنطق والرياضيات والفلك. ولم يكن الذين حملوا هذه المهمة من قومية واحدة أو عقيدة واحدة؛ فقد شارك فيها العرب والسريان والفرس وغيرهم، يجمعهم سؤال المعرفة قبل سؤال الانتماء.

ولم يكن الإنجاز الحقيقي في نقل ما قاله إقليدس، أو جالينوس أو بطليموس أو أرسطو إلى العربية، وإنما في أن العلماء الذين جاءوا بعد المترجمين لم يكتفوا بتكرار ما وصل إليهم. فقد قرأوا وناقشوا وصححوا واعترضوا وأضافوا، حتى تحولت المعرفة المترجمة إلى معرفة منتجة، وظهرت إسهامات الخوارزمي والكندي والرازي وابن الهيثم وغيرهم من العلماء الذين تجاوزوا حدود النقل إلى الاكتشاف والتأسيس.

عصر كلاسيكي

وهنا تكمن عظمة التجربة: لم تكن الترجمة نهاية الطريق، بل كانت بدايته، ولم يكن التراث سلطة تمنع النقد، بل مادة معرفية تتيح التجاوز.

وفي كتابها المهم «خريطة المعرفة: كيف فقد العالم أفكار العصر الكلاسيكي وكيف استعادها: تاريخ سبع مدن»، الصادر سنة 2019، تتبع المؤرخة البريطانية فيوليت مولر رحلة انتقال علوم العالم القديم عبر سبع مدن هي الإسكندرية وبغداد وقرطبة وطليطلة وساليرنو وباليرمو وفينيسيا. ومن خلال مؤلفات إقليدس وبطليموس وجالينوس، تكشف كيف استطاعت مراكز العلم أن تحفظ المعرفة، وتترجمها، وتصححها، وتنقلها من حضارة إلى أخرى.

كانت بغداد في هذه الرحلة محطة كبرى لإعادة بناء المعرفة، ثم أسهمت قرطبة في ازدهار العلوم وانتشارها في الأندلس، وتحولت طليطلة إلى مركز مهم للترجمة من العربية إلى اللاتينية، بينما أدت ساليرنو دورا بارزا في الدراسات الطبية، وأسهمت باليرمو في التفاعل بين الثقافات اليونانية والعربية واللاتينية، وصولا إلى فينيسيا التي وفرت مطابعها وسيلة جديدة لنشر الكتب العلمية على نطاق واسع.

ولم ينته تاريخ المعرفة بسقوط بغداد على يد المغول سنة 1258. فقد شهدت مراغة، في عهد هولاكو، تأسيس المرصد الشهير الذي ارتبط باسم نصير الدين الطوسي، وجمعت مكتبته كتبا نجت من الدمار إلى جانب مؤلفات استقدمت من مراكز علمية أخرى. ومع أن مراغة ليست ضمن المدن السبع التي تناولتها مولر، فإن تجربتها تكشف وجها آخر من وجوه استمرار المعرفة بعد انهيار مراكزها السياسية.

وليس المقصود أن هذه المدن تناقلت الكتب في خط واحد متصل، بل أن المعرفة استطاعت أن تجد لنفسها طرقا متعددة للبقاء، وأن تنتقل بين اللغات والمجتمعات، وصولا إلى إسهامها في التحولات الفكرية والعلمية الأوروبية.والسؤال الذي تثيره هذه الرحلة كيف استطاعت أن تجعل منها قوة حضارية، وكيف استطاعت مدن أخرى أن تستقبل تلك القوة وتعيد إنتاجها. فالحضارة لا تنتهي حين تسقط عاصمتها، وإنما حين يتوقف عقلها عن إنتاج المعرفة. ولذلك، حين أعيد تأسيس بيت الحكمة العراقي الحديث بموجب القانون رقم 11 لسنة 1995، كان الاسم يحمل إرثا تاريخيا عظيما، وكان المنتظر أن تتحول هذه المؤسسة إلى مركز فكري يعيد وصل العراق بتقاليده الحضارية. غير أن الظروف السياسية التي نشأت فيها المؤسسة فرضت عليها حدودا مختلفة عن تلك التي يفترض أن تحكم مؤسسة علمية مستقلة. ففي عهد صدام حسين ارتبط بيت الحكمة برعاية رئيس الجمهورية، كما نص قانون تأسيسه، ولم يكن ذلك ارتباطا شكليا فحسب؛ إذ نصت تعليمات تنظيمية صدرت سنة 2002 على أن تستلهم الأقسام العلمية فكر الرئيس عند إعداد البحوث والدراسات وتنفيذ النشاطات. وبذلك أصبح التوجيه السياسي جزءا من الإطار المنظم للممارسة العلمية.

مكانة علمية

ومع ذلك، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي التمييز بين خضوع المؤسسة لتوجهات السلطة وبين المكانة الثقافية لبعض الشخصيات التي تولت مسؤولياتها. فقد ضمت تلك المرحلة أسماء ذات حضور أدبي وفكري، لكن مكانة الشخص العلمية، مهما بلغت، لا تستطيع أن تعوض غياب الاستقلال المؤسسي.

لقد كانت المشكلة يومئذ أن السلطة تريد من المعرفة أن تتحرك داخل رؤيتها، بدلا من أن تتيح للمعرفة أن تراجع تلك الرؤية وتناقشها.ثم جاء عام 2003، وسقط النظام السياسي الذي أنشأ المؤسسة. وكان يفترض أن تشكل هذه اللحظة بداية تحرر بيت الحكمة من الوصاية الفكرية، وأن يتحول إلى مختبر وطني مفتوح لإعادة بناء العقل العراقي، وتطوير الدراسات الاستراتيجية، واستعادة مكانة العراق العلمية، وربط التراث المعرفي بأسئلة الدولة الحديثة. غير أن السؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم هو: هل تحررت المؤسسة فعلا من منطق السلطة، أم تبدلت أشكال الوصاية عليها؟فبدلا من أن تكون الأولوية لبناء مؤسسة مستقلة تتنافس على قيادتها الكفاءات الفكرية والعلمية، ظل اختيار القيادات مرتبطا بقرارات السلطة التنفيذية وتوازناتها. وهذا لا يعني أن كل من تولى المنصب يفتقر إلى المؤهلات، ولا أن كل تعيين كان نتيجة محاصصة مثبتة؛ لكنه يكشف حاجة ملحة إلى مراجعة آليات الاختيار، ومدى خضوعها لمعايير معلنة يمكن للوسط العلمي أن يناقشها ويحاسب عليها.

ولعل المفارقة الأشد وضوحا أن القانون نفسه يشترط في رئيس مجلس الأمناء وأعضائه سعة الثقافة والعلم والكفاءة في الدراسات والتأليف والبحث العلمي. فلماذا لا تتحول هذه الشروط إلى معايير تفصيلية معلنة، تقاس فيها الخبرة والإنتاج العلمي والاستقلال الفكري والرؤية الاستراتيجية والقدرة على إدارة المؤسسات البحثية؟

ولماذا لا يكون للجامعات والمجامع العلمية والباحثين المستقلين دور في ترشيح من يتولى قيادة مؤسسة تحمل اسم بيت الحكمة؟

إن بيت الحكمة اليوم يضم ثمانية أقسام علمية في الدراسات التاريخية والفلسفية والدينية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية واللغوية والترجمية والسياسية والاستراتيجية. وهي مجالات تستطيع، إذا ارتبطت بمشروع علمي متكامل، أن تقدم للعراق رؤى جادة في التنمية والتعليم وإصلاح الدولة والعلاقات الاجتماعية وصناعة المستقبل.

ولا يصح تجاهل ما يصدر عن المؤسسة من دراسات ومجلات، أو ما تنظمه من ندوات ومؤتمرات ونشاطات علمية. غير أن وجود النشاط لا يعفي من السؤال عن الأثر، وكثرة المؤتمرات لا تكفي وحدها لإثبات وجود مشروع معرفي متكامل.

ما الذي أضافه بيت الحكمة إلى التفكير العراقي في بناء الدولة؟ وما الدراسات الكبرى التي تحولت إلى سياسات عامة؟ وما المشاريع البحثية الممتدة التي أنتجت معرفة جديدة؟ وما المبادرات التي جمعت الأقسام الثمانية حول قضية وطنية واحدة؟ وكم من المقترحات التي تقدم بها الباحثون ورؤساء الأقسام وجدت طريقها إلى التنفيذ، وكم منها بقي حبيس الملفات؟

هذه ليست أسئلة للتقليل من جهود العاملين في المؤسسة، بل أسئلة تفرضها طبيعة الرسالة التي يفترض أن يؤديها بيت الحكمة.

ولا تكمن المشكلة في اسم الرئيس أو انتمائه أو خلفيته الوظيفية بقدر ما تكمن في الطريقة التي يصل بها إلى موقعه، وفي البرنامج الذي يقدمه، وفي مقدار الحرية التي يمتلكها العلماء والباحثون لإنجاز أعمالهم بعيدا عن الإملاءات والمجاملات.

وإذا كان بيت الحكمة القديم قد ازدهر بتعدد الثقافات واللغات والمذاهب والاختصاصات، فإن الوفاء لهذا التاريخ لا يتحقق بتكرار اسمه أو استحضار صورته في المناسبات، وإنما باستعادة الروح التي جعلت منه مؤسسة قادرة على استقبال الاختلاف وتحويله إلى معرفة.

إن العراق لا يفتقر إلى الفلاسفة والمفكرين والباحثين والعلماء القادرين على قيادة مؤسسة بهذا الحجم الرمزي. لكنه يحتاج إلى آلية تجعل الكفاءة شرطا فعليا للتكليف، وتجعل المشروع العلمي أساسا للتنافس، وتجعل الإنجاز معيارا للاستمرار، بدلا من أن تبقى القيادة رهينة الترتيبات الإدارية والتفاهمات السياسية.

ولا ينبغي أن تتحول رئاسة بيت الحكمة إلى مكافأة وظيفية أو تسوية بين مراكز النفوذ؛ لأنها مسؤولية معرفية ينبغي أن يتولاها من يمتلك رؤية تتجاوز إدارة الموجود إلى ابتكار ما ليس موجودا.

لقد استطاع بيت الحكمة العباسي أن يستقبل معارف أمم متعددة، ثم يحولها إلى منجز حضاري شاركت فيه عقول مختلفة، وأسهمت آثاره، عبر طرق انتقال عديدة، في النهضة العلمية الأوروبية.

أما بيت الحكمة العراقي المعاصر، فليس مطلوبا منه أن يعيد إنتاج الماضي، بل أن يستعيد منه المبدأ الذي صنع ذلك الإنجاز: حرية المعرفة، وتقديم الكفاءة، والانفتاح على العالم، وتحويل البحث إلى قوة فاعلة في المجتمع.

فبيت الحكمة لا يصنعه المبنى، ولا تمنحه العراقة التاريخية شرعية علمية تلقائية، ولا تصنعه الأسماء التي تتعاقب على رئاسته. إنما يصنعه العقل الذي يقوده، والحرية التي يتمتع بها، والمعرفة التي يضيفها إلى العالم.

ولعل السؤال الذي ينبغي أن يوجه إلى كل من يقرر مستقبل هذه المؤسسة هو: هل نريد بيت حكمة يحمل اسم الماضي، أم بيت حكمة يستحق أن يكون امتدادا له؟

فإذا كان بيت الحكمة الأول قد نهض حين التقت المعرفة بالحرية النسبية التي أتاحتها رعاية العلم، فإن بيت الحكمة الجديد لن ينهض إلا حين تصبح الكفاءة أعلى من الولاء، والمشروع العلمي أسبق من قرار التعيين، واستقلال العقل أهم من رضا السلطة.

إننا لا نريد لبيت الحكمة أن يكون حصة في السلطة، بل نريده أن يكون سلطة للمعرفة.

 

 

المصادر والإحالات

مولر، فيوليت (2019). The Map of Knowledge: How Classical Ideas Were Lost and Found: A History in Seven Cities. Picador. والترجمة العربية: خريطة المعرفة، ترجمة محمد حامد درويش، مؤسسة هنداوي، 2020.

قانون بيت الحكمة العراقي رقم (11) لسنة 1995، الوقائع العراقية، العدد 3577، 21 آب 1995.

تعليمات تحديد مهام واختصاصات تشكيلات بيت الحكمة رقم (1) لسنة 2002، ولا سيما المادة الرابعة.

Encyclopedia Iranica، مادة نصير الدين الطوسي بصفته عالما بالرياضيات والفلك، وما ورد فيها بشأن تأسيس مرصد مراغة وجمع الكتب التي نجت من دمار بغداد.


مشاهدات 75
الكاتب رضا كامل الموسوي
أضيف 2026/10/24 - 1:48 AM
آخر تحديث 2026/10/24 - 2:51 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 270 الشهر 46639 الكلي 16631808
الوقت الآن
السبت 2026/10/24 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير