الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
فلا خبر جاء ولا وحي نزل

← بواسطة azzaman

فلا خبر جاء ولا وحي نزل

جبار فريح شريده

 

عبارة تُنسب إلى يزيد بن معاوية في سياق إنكار حق أهل بيت النبوة، وتُستحضر بوصفها تعبيراً عن الصراع الذي احتدم حول السلطة بعد واقعة كربلاء. وهي، بصرف النظر عن دقة نسبتها وسياقها التاريخي، تفتح باباً للتأمل في واحدة من أخطر المشكلات التي رافقت التاريخ السياسي، وهي أن تتحول السلطة إلى غاية بحد ذاتها، وأن تُستخدم الاعتبارات السياسية لتغييب الحقائق والقيم التي يفترض أن تقوم عليها الدولة والمجتمع.

إن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في إقصاء أصحاب الحق، بل في إعادة تشكيل الوعي العام بحيث يصبح الإقصاء أمراً طبيعياً، ويُقدَّم غير المستحق على أنه الأجدر، بينما يُهمَّش أصحاب الكفاءة والنزاهة لأنهم لا ينسجمون مع مصالح القوى المتنفذة أو حساباتها السياسية. وعندما يحدث ذلك، لا يعود معيار الاختيار هو العلم والخبرة والاستقامة، بل الولاء والانتماء والمصلحة، فتتراجع قيمة الإنسان بقدر ما يمتلكه من كفاءة، وترتفع مكانته بقدر ما يقدمه من خدمة لأصحاب النفوذ.

لقد علّمنا التاريخ أن الصراعات السياسية كثيراً ما تجاوزت حدود التنافس على إدارة الدولة، لتصل إلى إعادة تعريف الحق والباطل وفقاً لموازين القوة. ففي مثل هذه الظروف، لا يُقاس الرجال بما يحملونه من قيم ومبادئ، بل بمقدار قربهم من السلطة وقدرتهم على حماية مصالحها. وهنا تبدأ عملية تشويه القيم، إذ يُقصى المصلح لأنه لا يساوم، ويُحارب صاحب الرأي لأنه لا يجامل، ويُمنح الموقع لمن يتقن الولاء أكثر مما يتقن العمل.

ومن هذا المنظور، يمكن قراءة جانب من الواقع السياسي العراقي منذ عهد صدام حسين حتى يومنا هذا. فعلى الرغم من الاختلاف الكبير بين طبيعة النظام السابق والنظام السياسي الذي نشأ بعد عام 2003، فإن مشكلة إخضاع الكفاءة لاعتبارات السلطة لم تختفِ بصورة كاملة، وإن اختلفت أشكالها وأدواتها. ففي عهد صدام، هيمن منطق الحزب الواحد والولاء للنظام، وأصبح القرب السياسي والأمني عاملاً حاسماً في الوصول إلى مواقع النفوذ، الأمر الذي ضيّق مساحة الاستقلال في الرأي والعمل، وأضعف قدرة المؤسسات على الاستفادة من الكفاءات التي لا تنسجم مع إرادة السلطة.

أما في مرحلة ما بعد 2003، فقد أُتيحت للعراقيين فرص جديدة للمشاركة السياسية والتعددية، لكن هذه التحولات لم تُنهِ معضلة المحاصصة الحزبية والطائفية، ولا ظاهرة توزيع المناصب وفقاً للتوازنات السياسية ومصالح القوى النافذة. ففي كثير من الحالات، طغت حسابات الأحزاب والتوافقات على معايير الاستحقاق المهني، وأصبح المنصب أحياناً جزءاً من صفقة سياسية، بدلاً من أن يكون مسؤولية وطنية تتطلب المعرفة والخبرة والنزاهة.

والنتيجة أن العراق، بما يمتلكه من ثروات بشرية وعقول علمية وخبرات إدارية ومهنية، ظل يعاني من فجوة بين ما يمتلكه المجتمع من كفاءات وما تستفيد منه مؤسسات الدولة فعلياً. فكم من صاحب اختصاص وخبرة وجد نفسه بعيداً عن مواقع التأثير، وكم من شخص وصل إلى موقع المسؤولية بفضل شبكة العلاقات أو الانتماء السياسي، لا بفضل ما يمتلكه من قدرة على الإنجاز. وهذه ليست مجرد مشكلة إدارية، بل هي أزمة في مفهوم العدالة وتكافؤ الفرص، وفي العلاقة بين السلطة والمسؤولية.

إن أخطر ما في هذه الظاهرة هو أنها لا تظلم الأفراد وحدهم، بل تظلم المجتمع بأكمله. فعندما يُقصى الطبيب الكفوء، يخسر القطاع الصحي خبرته؛ وعندما يُهمَّش الأستاذ والباحث، تخسر الجامعات فرص التطور؛ وعندما يُستبعد الإداري النزيه، تتراجع كفاءة المؤسسات؛ وعندما تُمنح المسؤولية لمن لا يستحقها، يدفع المواطن ثمن القرارات الخاطئة والفساد وسوء الإدارة. وهكذا تتحول الدولة من مؤسسة لخدمة المجتمع إلى ساحة لتوزيع الامتيازات، ويصبح المنصب مكافأة للولاء بدلاً من أن يكون تكليفاً لخدمة الناس.

إن استحضار مأساة أهل بيت النبوة لا ينبغي أن يبقى محصوراً في الذاكرة التاريخية أو العاطفة الدينية، بل ينبغي أن يتحول إلى معيار أخلاقي لمراجعة واقعنا السياسي. فالقيم التي نحيي ذكراها في المناسبات الدينية تفقد معناها العملي إذا لم تنعكس على سلوكنا في الحكم والإدارة، وإذا لم تتحول إلى موقف واضح من الظلم والفساد والإقصاء. فلا يكفي أن نرفع الشعارات عن العدالة والحق، بينما نقبل في واقعنا أن يُقدَّم الأقل كفاءة على الأكثر كفاءة، وأن يُقصى المستحق لإرضاء أصحاب المصالح.

إن الإسلام الحقيقي، في جوهره الأخلاقي، لا يمنح الإنسان قيمته بسبب قربه من الحاكم، ولا يجعل المنصب دليلاً على التفوق، ولا يبرر الظلم لمجرد أن مرتكبه يمتلك القوة. وإنما يربط المسؤولية بالأمانة، والاختيار بالاستحقاق، والسلطة بالعدل. ومن هنا، فإن الدفاع عن القيم الإسلامية لا يتحقق بمجرد استدعاء التاريخ، بل يتطلب رفض كل ممارسة تعيد إنتاج الظلم تحت عناوين جديدة، سواء ارتكبتها سلطة فردية أم أحزاب متعددة أم منظومة سياسية تتقاسم النفوذ فيما بينها.

إن إصلاح العراق لا يبدأ بتغيير الوجوه وحده، بل بتغيير المعايير التي تُختار على أساسها تلك الوجوه. فلا بد من بناء مؤسسات تجعل الكفاءة والنزاهة والخبرة أساساً لتولي المسؤولية، وتضمن استقلال القضاء والرقابة، وتحد من المحاصصة وتضارب المصالح، وتفتح المجال أمام الشباب والعلماء وأصحاب الاختصاص للمشاركة في بناء الدولة. كما ينبغي أن يكون تقييم المسؤولين قائماً على النتائج والإنجاز والمساءلة، لا على الشعارات والولاءات والوعود.

إن جوهر المأساة، قديماً وحديثاً، هو أن تُغيَّب الحقيقة حين تتعارض مع مصلحة السلطة، وأن يُهمَّش المستحق حين لا يخدم حساباتها. وبين واقعة تاريخية نستحضرها للعبرة وواقع سياسي نعيشه اليوم، تبقى الرسالة واحدة: لا يمكن لمجتمع أن ينهض ما دامت المناصب تُمنح بغير استحقاق، وما دامت الكفاءة تُعامل بوصفها أمراً ثانوياً أمام الولاء السياسي.

فالدول لا تتقدم بكثرة الشعارات، ولا تُبنى بتوزيع المناصب على أساس المصالح، بل تُبنى حين يصبح العدل قاعدة للحكم، والكفاءة معياراً للاختيار، والنزاهة شرطاً للمسؤولية. وعندها فقط تستعيد القيم مكانتها الحقيقية، ويتحول التاريخ من ذاكرة للألم إلى درس للإصلاح، ويصبح احترام الحق ممارسة يومية لا مجرد عبارة تُقال في الخطب والمناسبات.

فهل نتعلم من التاريخ أن إقصاء أصحاب الحق لا يضرهم وحدهم، بل يضعف الأمة بأسرها؟ وهل ندرك أن العراق لن يستعيد عافيته ما لم يُعَد الاعتبار للإنسان الكفوء والنزيه، بعيداً عن حسابات الأحزاب والمحاصصة ومصالح المتنفذين؟ إن الإجابة عن هذين السؤالين هي بداية الطريق نحو دولة يكون فيها المنصب استحقاقاً، والمسؤولية أمانة، والإنسان معيار التقدم الحقيقي.


مشاهدات 37
الكاتب جبار فريح شريده
أضيف 2026/10/17 - 2:32 PM
آخر تحديث 2026/10/18 - 12:45 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 165 الشهر 33525 الكلي 16618694
الوقت الآن
الأحد 2026/10/18 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير