من مونديال العالم إلى ملاعب العراق
هل يصنع بيريرا نهضة التحكيم العراقي؟
النجف- نجم عبد كريدي
للمرة الأولى في تاريخ الاتحاد العراقي لكرة القدم خبير برتغالي بمواصفات عالمية لقيادة دائرة الحكام، والرهان على مشروع إصلاحي يتجاوز حدود العقود والمناصب!!
في خطوة تحمل دلالات مهمة على مستوى مستقبل التحكيم في الكرة العراقية، أعلن الاتحاد العراقي لكرة القدم، تعاقده رسمياً مع الحكم الدولي البرتغالي السابق فيتور مانويل ميلو بيريرا لتولي مهمة مدير دائرة الحكام في الاتحاد، في تجربة تُقدَّم بوصفها الأولى من نوعها في تاريخ الاتحاد الممتد لنحو 78 عاماً، منذ تأسيسه عام 1948.
خبير اجنبي
إنها خطوة تستحق التوقف عندها، ليس لمجرد الاستعانة بخبير أجنبي يحمل اسماً معروفاً في عالم التحكيم، وإنما لما يمكن أن تفتحه من آفاق جديدة أمام واحدة من أكثر مفاصل كرة القدم العراقية حساسية وتأثيراً في نتائج المباريات، وأشدها حاجة إلى التطوير والتخطيط والعمل المؤسسي المستدام.
فهل يكون بيريرا الرجل الذي يضع التحكيم العراقي على طريق الإصلاح الحقيقي؟ وهل تنجح خبرته الدولية في معالجة الإشكالات التي رافقت أداء الحكام المحليين، وتؤسس لمرحلة جديدة عنوانها الكفاءة والعدالة والثقة؟
بيريرا.. خبرة الميادين الكبرى تنتقل إلى الإدارة
لم يأتِ اختيار بيريرا من فراغ، وفقاً للسيرة المهنية المنسوبة إليه؛ فهو من الأسماء البرتغالية التي ارتبطت بمسيرة تحكيمية دولية امتدت من أواخر ثمانينيات القرن الماضي حتى اعتزاله عام 2002، بعدما خاض تجارب في مسابقات كبرى، جعلته قريباً من طبيعة الضغوط التي يتعرض لها الحكام في أعلى مستويات كرة القدم.
ولد فيتور مانويل ميلو بيريرا في لشبونة يوم 21 نيسان 1957، وحصل على الشارة الدولية عام 1992، وأدار مباريات في نهائيات كأس العالم 1998 في فرنسا وكأس العالم 2002 في كوريا الجنوبية واليابان، كما شارك في إدارة مباريات كأس الأمم الأوروبية عام 2000.
وشملت مسيرته، بحسب المعلومات الواردة عن سجله التحكيمي، أكثر من مئة مباراة دولية، إلى جانب مشاركات في دوري أبطال أوروبا، وإدارة نهائيات ومواجهات قارية بارزة، من بينها نهائي كأس الاتحاد الأوروبي عام 2002 بين فينورد وبوروسيا دورتموند.
لكن قيمة بيريرا لا تتوقف عند ما أنجزه داخـــــــل المستـــــطيل الأخضر؛ فمرحلة ما بعد الاعتزال نقلته إلى الجانب الإداري والفني، حيث عمل في مجال تطوير الحكام، وارتبط اسمه بتجارب في اتحادات كروية متعددة، من بينها البرتغال والتشيك واليونان وروسيا ومصر، فضلاً عن عمله في البيئة التحكيمية الأوروبية.
وهنا تكمن أهمية التعاقد العراقي؛ فالاستفادة الحقيقية لا تتمثل في استعراض السيرة الذاتية للخبير الجديد، بل في قدرته على تحويل خبراته المتراكمة إلى برامج عملية تتلاءم مع واقع الكرة العراقية، وتستجيب لحاجات حكامنا وإمكاناتهم والتحديات التي يواجهونها.
ماذا يريد الاتحاد العراقي من بيريرا؟
بحسب ما أُعلن عن طبيعة المهمة، فإن الهدف الأساسي من التعاقد هو تطوير المنظومة التحكيمية العراقية بصورة شاملة، عبر وضع خطط واستراتيجيات طويلة الأمد، والإشراف على المعسكرات التدريبية، وإلقاء المحاضرات الفنية، وتطوير قدرات الحكام، وإعداد جيل جديد من حكام النخبة القادرين على إدارة المباريات المحلية والدولية.
كما تبرز أهمية توحيد تفسير مواد قانون اللعبة، وتعزيز الجانب البدني، وتطوير آليات تقييم الأداء، وتحليل الحالات التحكيمية، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، وفي مقدمتها تقنية حكم الفيديو المساعد (VAR)، وفقاً للإمكانات المتاحة والمعايير الدولية المعتمدة.
إنها مسؤوليات كبيرة لا يمكن اختزالها بإقامة دورة تدريبية هنا، أو تنظيم معسكر هناك، أو إلقاء محاضرة تنتهي بانتهاء وقتها. فالتطوير الحقيقي يحتاج إلى منظومة متكاملة تبدأ بتشخيص الواقع، وتحديد مواطن الخلل، ثم وضع الحلول، ومتابعة تنفيذها، وقياس نتائجها على أرض الواقع.
ومن هنا، فإن نجاح بيريرا يجب ألا يُقاس بعدد الاجتماعات التي يعقدها أو المحاضرات التي يلقيها، بل بمدى التحسن الذي يطرأ على أداء الحكام، ودقة قراراتهم، ومستوى لياقتهم، وقدرتهم على إدارة المباريات الصعبة تحت ضغط اللاعبين والجماهير والأجهزة الفنية والإعلام.
مدير دائرة الحكام.. ورئيس لجنة الحكام: أين يكمن الفرق؟
قد يختلط الأمر على بعض المتابعين بين منصب مدير دائرة الحكام ورئيس لجنة الحكام، لكن الفرق بينهما يرتبط بطبيعة الصلاحيات والمسؤوليات، وليس بالاسم الوظيفي وحده.
ففي النموذج الإداري المعروف لدى الاتحاد الدولي لكرة القدم، يتولى رئيس لجنة الحكام الجانب الإشرافي والاستراتيجي المتعلق بسياسات التحكيم، والمساهمة في تحديد التوجهات العامة ومعايير اختيار الحكام للبطولات الكبرى، بينما تتولى دائرة التحكيم، بقيادتها التنفيذية والإدارية، تحويل الخطط والقرارات إلى برامج تدريب وتأهيل ومتابعة وتقييم.
ويشغل الإيطالي بييرلويجي كولينا رئاسة لجنة الحكام في الفيفا، فيما يتولى السويسري ماسيمو بوساكا إدارة دائرة التحكيم فيه.
وهذا التمييز مهم عند الحديث عن التجربة العراقية؛ إذ إن الاستعانة بمدير دائرة متخصص يفترض أن تمنح العمل التحكيمي مزيداً من التنظيم والاستمرارية، من خلال وضع البرامج الفنية، والإشراف على تنفيذها، ومتابعة أداء الحكام، وتطوير آليات إعدادهم وتأهيلهم.
ومع ذلك، فإن طبيعة صلاحيات بيريرا الفعلية في العراق ستتحدد بما يتضمنه عقده، وبالهيكل التنظيمي للاتحاد، وحدود التنسيق بينه وبين لجنة الحكام والجهات المعنية بتعيين الحكام وتقييمهم. فنجاح أي تجربة إدارية يتطلب وضوح الصلاحيات، وتكامل الأدوار، وعدم تداخل المسؤوليات.
هل يستطيع بيريرا معالجة أزمات التحكيم العراقي؟
هذا هو السؤال الذي ينتظر الشارع الرياضي العراقي الإجابة عنه.
فالتحكيم ليس مجرد صافرة تُطلق، أو بطاقة صفراء تُرفع، أو ركلة جزاء تُحتسب؛ إنه علم وفن وخبرة ولياقة وتركيز وشخصية قوية، فضلاً عن المعرفة الدقيقة بمواد قانون اللعبة وتعديلاتها وتفسيراتها المعتمدة دولياً.
والحكم الناجح هو الذي يجمع بين سلامة القرار، وحسن التمركز، والقدرة على قراءة اللعب، والسيطرة على المباراة، والتعامل المتوازن مع اللاعبين، واتخاذ القرار الصحيح في اللحظة المناسبة، بعيداً عن التأثر بالضغوط أو الانجرار وراء ردود الأفعال.
ومن هذا المنطلق، فإن تطوير التحكيم العراقي ينبغي أن يبدأ ببرنامج علمي واضح يتضمن تقييماً موضوعياً لمستوى الحكام، وتصنيفهم وفق معايير مهنية معلنة.
وتحديد احتياجات كل فئة منهم، مع إخضاعهم لاختبارات دورية فنية وبدنية، وتحليل أدائهم بصورة منتظمة.
كما ينبغي أن يحظى الحكام الشباب باهتمام استثنائي، لأن بناء جيل جديد من حكام النخبة لا يتحقق بين ليلة وضحاها، بل يحتاج إلى اكتشاف المواهب مبكراً، ومنحها فرصاً تدريجية لإدارة المباريات، وإخضاعها لبرامج إعداد متخصصة، ومراقبة تطورها من موسم إلى آخر.
ولا يقل عن ذلك أهمية تطوير المحاضرين والمقيمين، وتحديث أساليب تقييم الأداء، وتوحيد فهم الحالات التحكيمية بين الحكام، حتى لا تختلف القرارات في الحالات المتشابهة بسبب تفاوت الاجتهادات أو ضعف الإلمام بالتفسيرات القانونية.
الفار ليس عصاً سحرية!
ومن الملفات التي لا بد أن تحظى باهتمام المدير الجديد ملف تقنية حكم الفيديو المساعد، التي أصبحت جزءاً مهماً من كرة القدم الحديثة.
لكن استخدام هذه التقنية لا يعني اختفاء الأخطاء بصورة مطلقة، ولا يعفي الحكم من مسؤوليته داخل الملعب. فالـ(VAR) أداة لمساعدة الحكم في حالات محددة، وليست بديلاً عن كفاءته أو عن معرفته بالقانون أو عن قدرته على اتخاذ القرار.
ولهذا فإن نجاحها يتطلب تدريباً متخصصاً، وتنسيقاً دقيقاً بين حكم الساحة وحكام الفيديو، وفهماً موحداً لمعايير التدخل، فضلاً عن جاهزية البنية التقنية والكوادر العاملة عليها.
ومن الضروري أيضاً أن يشمل التطوير التثقيف القانوني للاعبين والمدربين والإداريين والإعلاميين، لأن الإلمام بقانون اللعبة لا ينبغي أن يقتصر على الحكام وحدهم، بل يجب أن يمتد إلى جميع العاملين في الوسط الكروي، بما يعزز الوعي ويحد من سوء تفسير القرارات التحكيمية.
#الاستقلالية والعدالة.. أساس الثقة بالحكم..
إن أي مشروع لتطوير التحكيم لن يحقق أهدافه كاملة ما لم يقترن بالكفاءة الفنية والاستقلالية المهنية والشفافية في التقييم.
فالحكم يحتاج إلى بيئة عمل تمنحه الثقة لأداء واجبه، وتوفر له الحماية المهنية من الضغوط غير المشروعة، وفي الوقت نفسه تحاسبه وفق معايير واضحة عندما يخطئ أو يقصر.
ولا تعني حماية الحكم إعفاءه من المساءلة، كما أن مساءلته لا تعني التشهير به أو الحكم عليه من خلال خطأ واحد دون دراسة ظروف المباراة والحالة المعنية. المطلوب هو نظام عادل يجمع بين التقييم الموضوعي، والتصحيح، والتطوير، والمحاسبة المهنية.
وهنا تبرز مسؤولية الاتحاد العراقي لكرة القدم في تهيئة الظروف المناسبة لعمل بيريرا، وتوفير الدعم الإداري والفني اللازم له، ومنحه الصلاحيات المتفق عليها، مع وضع مؤشرات أداء يمكن من خلالها قياس مدى نجاح المشروع بعيداً عن المجاملات والانطباعات الشخصية.
#من التعاقد إلى النتائج.. ماذا ننتظر؟
إن التعاقد مع خبير تحكيمي يمتلك هذه الخلفية الدولية يمثل فرصة مهمة، لكنه ليس ضمانة تلقائية للنجاح. فالسيرة الذاتية مهما بلغت قيمتها لا تستطيع وحدها إصلاح منظومة كاملة ما لم تتحول الخبرة إلى عمل يومي، والخطط إلى برامج قابلة للتنفيذ، والوعود إلى نتائج ملموسة.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تتطلب إعلان رؤية واضحة لتطوير التحكيم العراقي، تتضمن أهدافاً محددة ومراحل زمنية واقعية، وتقييماً دورياً لما تحقق، مع الاهتمام بإعداد الحكام الشباب، وتطوير المقيمين والمحاضرين، ورفع مستوى المعرفة القانونية، وتعزيز العدالة والشفافية في إدارة المسابقات.
كما أن من المهم أن تُتاح للوسط الرياضي فرصة التعرف على نتائج المشروع من خلال مؤشرات مهنية مدروسة، لا من خلال التصريحات وحدها، لأن الثقة تُبنى بالتراكم، ويؤكدها الأداء، وتدعمها العدالة في القرارات.
#كلمة أخيرة..
لقد وضع الاتحاد العراقي لكرة القدم أمامه فرصة تستحق الدعم والمتابعة؛ فاستقدام فيتور مانويل ميلو بيريرا قد يكون بداية مرحلة جديدة في مسيرة التحكيم العراقي، إذا أحسن الاتحاد توظيف خبرته، ووفّر له بيئة عمل مناسبة، وأحاط مشروعه بالتعاون والجدية والاستمرارية.
أما بيريرا، فهو اليوم أمام تحدٍّ يختلف عن تحديات الملاعب الأوروبية والعالمية؛ إذ لا تتمثل مهمته في إدارة مباراة واحدة والخروج منها بقرار ناجح، بل في المساهمة في بناء منظومة تحكيمية قادرة على إنتاج حكام أكفاء، يمتلكون المعرفة والشخصية واللياقة والنزاهة، ويستطيعون كسب ثقة الأندية والجماهير بفضل جودة أدائهم وعدالة قراراتهم.
فهل ينجح بيريرا في نقل التحكيم العراقي من مرحلة الجدل المتكرر إلى مرحلة الثقة والاستقرار؟
الأيام والمباريات وحدها ستمنحنا الإجابة، لكن المؤكد أن النجاح لن يُصنع بالعقد وحده، ولا بالأسماء اللامعة، بل بالإرادة الحقيقية والعمل المؤسسي والمحاسبة المهنية.
فالعراق لا يحتاج إلى حكم أجنبي يدير دائرة الحكام فحسب، بل يحتاج إلى مشروع وطني يصنع حكاماً عراقيين بمواصفات عالمية.
وهنا يكمن الرهان الحقيقي، وتبدأ مسؤولية بيريرا، ويُختبر دور الاتحاد العراقي لكرة القدم في تحويل هذه الخطوة التاريخية إلى إنجاز دائم يخدم الكرة العراقية ويعيد الثقة إلى صافرة الحكم المحلي.