الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الطريق الأسهل إلى جيب المواطن

← بواسطة azzaman

الدينار وإمتحان الدولة (2-3)

الطريق الأسهل إلى جيب المواطن

 

كاظم نزار الركابي

 

على ورقة الأم حاجات شُطبت كي يستقيم حساب الشهر. دواء ينتظر. ملابس تؤجل. طعام يتراجع إلى حدود الضرورة. وكلما ضاقت الأرقام اتسعت قائمة المحذوفات. وعلى ورقة الحكومة إنفاق وإيرادات وديون والتزامات، وأبواب تستطيع السلطة فتحها أو إغلاقها بقرار. بين الورقتين سؤال ثقيل: ماذا شطبت الحكومة من حسابها قبل أن تضطر الأم إلى الشطب من مائدة أبنائها؟

في البيت يجري التقشف بصمت. وفي الدولة تجري الحسابات تحت عناوين الإنقاذ والضرورة والمصلحة العامة. دفعت الأسرة حصتها من القرار قبل أن تعرف حجته كاملة. ارتفع عدد الدنانير المطلوبة لشراء الدولار، وتحركت الأسعار، وبقي الأجر واقفًا في مكانه. أما الحكومة التي تحدثت عن أزمة الخزينة، فقد حان وقت سؤالها عن حسابها الخاص. الأزمة حقيقية. الحرب أضعفت صادرات النفط، وأربكت طرق الشحن، وضغطت على مالية دولة يقوم جانبها الأكبر على المورد النفطي. ونقلت رويترز تراجع صادرات العراق إلى نحو 2.34 مليون برميل يوميًا في آب، بعد أن تجاوزت 3.6 ملايين برميل قبل الحرب.

ضربة قاسية لخزينة مثقلة أصلًا. غير أن الاعتراف بعمق الأزمة لا يمنح كل قرار صفة الضرورة، ولا يجعل تحميل المجتمع كلفتها الخيار الوحيد. فبين وجود الأزمة وطريقة معالجتها تقع مسؤولية الحكم. الضرورة تحتاج إلى دليل. والمواطن الذي يدفع ثمنها يستحق أن يرى هذا الدليل.

ثلاثة خيارات

في 8 تشرين الأول، عرض رئيس الوزراء علي الزيدي أمام رئاسة البرلمان ثلاثة خيارات قال إن حكومته واجهتها: ادخار إجباري يؤجل جزءًا من استحقاقات الموظفين، أو صرف الرواتب كل 45 يومًا، أو التوسع في الاقتراض. وأشار إلى دين عام يتجاوز 208 تريليونات دينار، وحاجة شهرية تبلغ 10 تريليونات.

وضع رئيس الوزراء أمام العراقيين صورة ثقيلة لأزمة التمويل. غير أن الخيارات الثلاثة، على اختلاف آثارها وتوقيت كلفتها، تشترك في أنها تؤجل جانبًا من الاستحقاقات أو تضيف أعباء مالية جديدة، من دون أن تقدم بذاتها معالجة لجذور الاختلال. والسؤال الذي لم يحصل على جوابه الكامل: ماذا عن البدائل التي تبدأ من الحكومة؟

أين نتائج تحصيل الإيرادات الضائعة؟ وأين مراجعة الإعفاءات والامتيازات؟ وماذا وفرت الدولة من نفقاتها قبل المساس بقيمة الدينار؟ فثمة فرق بين البدائل التي تعرضها الحكومة لتفسير قرارها، والبدائل التي أخضعتها فعلًا للفحص والمقارنة. وللسلطة حق شرح القيود التي واجهتها، وللمجتمع حق معرفة الخيارات التي استبعدتها وأسباب استبعادها. الدولة التي تعرض ثلاثة أبواب مؤلمة لا تُعفى من السؤال عن الأبواب التي أبقتها مغلقة.

يبدأ الحساب من المال المستحق للخزينة ولم يصل إليها. ضرائب لا تُحصّل، ورسوم كمركية، والتزامات متأخرة، وثغرات يتسرب منها الإيراد العام. لكل باب من هذه الأبواب مسؤولون عن إدارته، ومستفيدون من ضعفه، وكلفة تتحملها الدولة حين تعجز عن إصلاحه.

التقديرات لا تدخل الخزينة. الذي يدخلها مال يُحصّل، واستحقاق يُنفذ، وتجاوز يتوقف. أما البيانات التي تعلن حجم المشكلة من دون بيان ما عولج منها، فتصف الخسارة وتترك أسبابها قائمة. ولهذا فإن السؤال ليس كم تخسر الدولة من الإيرادات، إنما كم استعادت منها، وما الذي منع استعادة الباقي، ومن يتحمل مسؤولية التأخير؟

والإعفاءات الكمركية تستحق مراجعة منضبطة. بعضها يحمي إنتاجًا محليًا أو يخفف كلفة الغذاء والدواء، والإلغاء العشوائي قد يعيد العبء إلى المستهلك. وبعضها الآخر يحتاج إلى كشف المستفيدين منه، وقياس منفعته العامة، وتحديد ما إذا كانت مبررات استمراره ما زالت قائمة.

وفي الكهرباء يتجلى الاختلال بصورة أشد إيلامًا، إذ وثّق صندوق النقد الدولي بلوغ فاقد التوزيع 55 بالمئة عام 2024، وربط جانبًا منه بالسرقات والتوصيلات غير القانونية. وهي نسبة تكشف حجم الهدر في قطاع يستنزف موارد الدولة عامًا بعد آخر، وإن كانت لا تمثل أموالًا نقدية جاهزة للاسترداد. وأمام هذا النزيف، يغدو تحميل المواطن كلفة تراجع العملة امتحانًا لعدالة القرار؛ فالدولة التي تطلب من مواطنيها تحمل كلفة الأزمة مطالبة أولًا بإظهار ما أنجزته في خفض الفاقد، وتحصيل مستحقاتها من كبار المستهلكين والقادرين، وحماية الاستهلاك الأساسي للأسر محدودة الدخل. وإلا غدا جيب المواطن موضع المحاسبة، وبقيت أسباب النزيف بعيدة عنها.

في البيت العراقي فاتورتان للكهرباء: واحدة للدولة، وأخرى للمولد الأهلي. ومع ذلك تبقى ساعات الحر والظلام جزءًا من حياة الأسرة. ثم نصل إلى دفاتر الحكومة نفسها. المشتريات، والعقود، والإيجارات، والإيفادات، والامتيازات، والتخصيصات التي يمكن مراجعة ضرورتها. ويضاف إليها تدقيق الازدواج المخالف في الاستحقاقات، وضبط الالتزامات الجديدة التي لا تستند إلى مورد مستدام. ولا تعني المراجعة انتزاع حقوق الموظفين، أو تعطيل الخدمات العامة، أو معاقبة المؤسسة على أدائها واجبها. فالحق الوظيفي المصون يختلف عن امتياز تفتقر استمراريته إلى المبرر، والإنفاق المنتج يختلف عن نفقة لا تترك وراءها خدمة أو أصلًا أو منفعة عامة. وقد تكون الوفورات الممكنة من هذه الأبواب أصغر من العجز المالي الواسع. وهذه حقيقة ينبغي الاعتراف بها. لكنها تحمل معنى يتجاوز الأرقام: أن تبدأ الدولة تحمل المسؤولية من داخلها، قبل أن تطلب من المجتمع دفع الفرق. وكان صندوق النقد الدولي قد دعا، قبل الصدمة الراهنة، إلى ضبط الإنفاق غير الضروري، وتحسين تحصيل الإيرادات، ومعالجة الاختلالات الهيكلية. وحذر من اتساع الالتزامات المالية وضعف قدرة الاقتصاد على احتمال الصدمات النفطية. وهذا يعني أن الحرب أصابت مالية عامة عرفت مواطن ضعفها قبل اندلاعها. فالصدمة الخارجية ضغطت على الخزينة، والاختلالات المتراكمة جعلت قدرتها على الصمود أضيق.

الحرب تفسر جانبًا من الأزمة. لكنها لا تفسر وحدها لماذا دخلتها الدولة بهذه الهشاشة. من وسّع الإنفاق حين كانت المخاطر معروفة؟ ومن أضاف التزامات دائمة إلى مورد يتغير مع حركة النفط والحروب؟ وكم إصلاحًا أُجّل حتى صار المساس بقيمة العملة أقرب إلى يد الحكومة من إصلاح مؤسساتها؟

قدرة الاحتمال

الأزمات تختبر قدرة الدولة على الاحتمال. أما القرارات فتكشف على من تختار الدولة أن تُلقي العبء.

هنا نصل إلى ما أسميه “عقيدة الجيب”. لا تحمل هذه العقيدة اسمًا في وثيقة حكومية. إنها وصف لطريقة متكررة في التعامل مع الاختلال المالي: حين تتعثر معالجة المؤسسات، يسهل تعديل قيمة العملة. وحين يتأخر تحصيل حقوق الخزينة، يغدو تراجع القوة الشرائية للأسر موردًا غير مباشر لتخفيف الضغط المالي.

تبيع الحكومة دولارها النفطي فتحصل على دنانير أكثر. ويشتري المواطن السلع المستوردة، أو تلك المرتبطة بكلفتها، فيدفع دنانير أكثر. تتحسن القدرة الحسابية للخزينة على تمويل التزامات دينارية محددة، بينما يتراجع ما يستطيع الأجر نفسه شراءه.لم ينتج العراق بهذا التغيير قمحًا إضافيًا، ولا دواءً جديدًا، ولا مصنعًا آخر. تغيرت المعادلة النقدية، وانتقل جانب من كلفة الاختلال إلى من يحمل الدينار في جيبه. وللعقيدة سجل يستحق القراءة. ففي كانون الأول 2020 خُفضت قيمة الدينار تحت ضغط الأزمة المالية، ثم عُدّل سعر الصرف في الاتجاه المعاكس عام 2023، وعاد التغيير في تشرين الأول 2026. تختلف الظروف بين هذه المحطات، وتتباين المبررات والنتائج، لكنها تعيد السؤال عن قدرة الدولة على بناء نظام مالي لا يجعل قيمة الأجر عرضة لكل صدمة كبرى.

لماذا يجد العراقي نفسه أمام امتحان جديد لنقوده قبل أن يرى إصلاحًا مستقرًا في الإيرادات والإنفاق والإنتاج؟ وللإنصاف مكانه في هذه المساءلة. إصلاح التحصيل يحتاج إلى إجراءات وأشهر من العمل. ومعالجة قطاع الكهرباء أعمق من توقيع قرار. وتنويع الاقتصاد يحتاج سنوات، فيما الرواتب والالتزامات العاجلة تستحق التمويل في مواعيدها. وهذه قيود حقيقية تجعل إدارة الأزمة أكثر تعقيدًا، لكنها لا تسقط البدائل، بل تستدعي ترتيبها في حزمة واحدة تتوزع فيها الإجراءات على آجال مختلفة. فما الذي تستطيع الحكومة تحصيله فورًا؟ وأي إنفاق تستطيع تأجيله من دون إضعاف الخدمات؟ وما حدود التمويل المؤقت المقبول؟ وكيف تحمي الأسر الأشد هشاشة خلال الانتقال من المعالجة العاجلة إلى الإصلاح المستدام؟

هذه المقارنة ينبغي أن تكون معلنة، بأرقامها ومددها وكلفتها الاجتماعية. فالقول إن خفض قيمة الدينار كان الخيار الأقل ضررًا يحتاج إلى بيان الخيارات التي قورن بها، والضرر الذي حُسب لكل منها، والفئات التي ستتحمله. وللقرار الاستثنائي موعد ينبغي أن تُراجع عنده نتائجه. أما ترك المدة مفتوحة، فيحوّل الضرورة المؤقتة إلى عبء طويل.

ومع ظهور مؤشرات على تحسن نسبي في حركة صادرات النفط الإقليمية، رغم استمرار المخاطر الأمنية والاضطرابات، يقترب امتحان آخر: إذا تعافت الإيرادات العراقية تدريجيًا، فهل ينتقل أثر التعافي إلى المواطن، أم تحتفظ الخزينة بمكاسب القرار ويبقى المواطن أسير خسارته؟

فالعدالة لا تُختبر عند توزيع الخسائر وحدها. تُختبر أيضًا عند توزيع ثمار التعافي.

المطلوب من الحكومة حساب معلن لما وفرته من نفقاتها، وما حصلته من حقوق الخزينة، وما تحملته مؤقتًا، وكيف حمت أصحاب الدخول المحدودة. فإدارة الأزمة لا تكتمل بتمويل الالتزامات العاجلة؛ إنها تكتمل حين تزيل الدولة الأسباب التي تعيد الأزمة إلى أبواب المواطنين.

هذه ليست أسئلة تعجيزية. إنها مسؤولية الحكم أمام المجتمع. فالسلطة التي تطلب من الناس احتمال القرار مطالبة بإثبات ضرورته، ثم مراجعة آثاره، والإعلان عما أنجزته لإزالة الأسباب التي جعلته ممكنًا.

أما المواطن الذي لم يشارك في صناعة الاختلال، فلا يصح أن يكون أول من يدفع ثمنه وآخر من يعرف حسابه.

على ورقة الأم حاجات شُطبت. وأمام الحكومة أبواب لم تُعرض حصيلة مراجعتها كاملة.

وفي نهاية هذا الامتحان يبرز سؤال يتجاوز قيمة الدينار إلى سلطة القرار نفسه. من يحدد حدود الممكن؟ ومن يوازن حاجة الخزينة باستقرار العملة؟ وأين تبدأ مسؤولية الحكومة، وأين تقف صلاحيات البنك المركزي، وما دور البرلمان في الرقابة على القرار ونتائجه؟

فإذا كان المواطن آخر من يُستشار وأول من يدفع، فمن يملك ختم الدينار؟

 


مشاهدات 28
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/10/13 - 2:13 PM
آخر تحديث 2026/10/14 - 1:16 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 128 الشهر 24795 الكلي 16609964
الوقت الآن
الأربعاء 2026/10/14 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير