عام من التأسيس نحو مشروع وطني للمناخ والمياه
دراسات بيئية تضع رؤية مؤسسية في خدمة تحولات الطبيعة العراقية
بغداد - الزمان
يواصل مركز العلمين للدراسات البيئية والتغيرات المناخية والمياه، ترسيخ حضوره في المشهد البحثي العراقي، بعد عام على تأسيسه، عبر مبادرات علمية ومشروعات معرفية تهدف إلى وضع قضايا البيئة والمناخ والمياه في صدارة النقاش العام، وتعزيز دور البحث العلمي في مواجهة التحديات المتفاقمة التي تشهدها البلاد، وفي مقدمتها شح المياه والتصحر، وارتفاع درجات الحرارة والتلوث. ويأتي ذلك بالتزامن مع اليوم العربي للبيئة، الذي يصادف الرابع عشر من تشرين الأول، ليشكل مناسبة لاستعراض تجربة المركز ومسيرته خلال عامه الأول، والوقوف عند أبرز محطاته، وفي مقدمتها مؤتمره العلمي الأول ومشروع الموسوعة البيئية العراقية، اللذان يمثلان خطوتين نحو بناء مرجعية علمية وطنية تسهم في توثيق البيئة العراقية وتطوير الحلول المستدامة لمشكلاتها.
خطوات تاسيسة
ويسعى المركز الى (وضع خطوات تأسيسية تشكل محطة لتحديد هويته العلمية ورسم أولوياته البحثية، بوصفه مساحة للحوار البيئي الرصين، ومنصة تجمع الباحثين والخبراء والمتخصصين، ومؤسسة تعمل على تحويل المعرفة العلمية إلى وعي مجتمعي ومقترحات قابلة للتطبيق)، وانطلق المركز من (إدراك متزايد لحجم التحديات البيئية التي تواجه العراق، إذ لم تعد أزمات المياه والمناخ والتصحر والتلوث ملفات فنية منفصلة، بل تحولت إلى قضايا ترتبط بالأمن الوطني والغذائي والصحي والاجتماعي، وتنعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين ومستقبل الأجيال المقبلة)، ويتجه المركز إلى (بناء مسار يجمع بين تشخيص المشكلات وإنتاج المعرفة وتطوير الحلول، مع تعزيز التعاون بين الباحثين والجامعات والمؤسسات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني والخبرات الوطنية)، ويستند استمرار المركز في مساره التصاعدي إلى (وضوح الرؤية والإيمان بأن العمل البيئي يتطلب نفساً طويلاً وتراكماً علمياً، وانفتاحاً على مختلف الاختصاصات ووجهات النظر، بالقدرة على طرح التساؤلات المهمة وإثراء النقاش العام، وتوثيق المعرفة وربطها باحتياجات المجتمع والدولة)، ومثّل المؤتمر الأول انتقالاً من (مرحلة التأسيس إلى الحضور العلمي الفاعل، إذ لم يكن مناسبة بروتوكولية لعرض الرؤى فحسب، بل منصة لمناقشة التحديات البيئية واستقطاب الباحثين والخبراء والمهتمين بالشأن البيئي، وتبادل الأفكار بشأن الحلول الممكنة للأزمات البيئية)، وأبرزت هذه الخطوة (أهمية توحيد الجهود العلمية والخبرات الوطنية ضمن إطار مؤسسي يتيح الحوار والتنسيق والاستمرار، بما يساعد على تطوير السياسات البيئية والمائية والمناخية، ويمنح البحث العلمي دوراً أكبر في معالجة المشكلات القائمة، كما أتاح المؤتمر للمركز فرصة مراجعة أولوياته البحثية والاستماع إلى وجهات نظر متعددة وتوسيع دائرة الشراكة مع المختصين والمؤسسات المعنية، بما يؤسس لتجربة علمية قابلة للتطوير والبناء عليها في الدورات المقبلة، وصولا إلى ملتقى دوري يسهم في دعم العمل البيئي داخل العراق وخارجه).
ويبرز مشروع الموسوعة البيئية بوصفه إحدى أهم المبادرات التي أطلقها المركز خلال عامه الأول، هادفاً إلى (بناء مرجع وطني شامل يوثق مكونات البيئة العراقية وتحولاتها ومشكلاتها، ويحفظ ما تراكم من دراسات ومعارف بما يمتلكه العراق من تنوع جغرافي وأحيائي وحضاري، واتاحة موسوعة علمية متكاملة تعرف بموارده المائية وأهواره وأنهاره وصحاريه وغاباته وتنوعه الأحيائي ومدنه)، ويمتد هذا الاحتياج إلى (توثيق جهود العلماء والخبراء والمؤسسات الوطنية، بما يضمن حفظ الخبرة العراقية وعدم بقائها مشتتة بين المصادر والمكتبات والأرشيفات، ويوفر قاعدة معرفية يمكن الرجوع إليها في الدراسات والبحوث وصناعة السياسات)، وأفاد مختصون بأن (المشروع يعد اختباراً لقدرة المركز على إدارة عمل علمي جماعي ومستدام، يتطلب إشراك الجامعات والوزارات والباحثين والخبراء، واعتماد منهجية دقيقة في جمع المعلومات وتدقيقها وتحديثها).
مؤكدين انه (من شأن إنجاز الموسوعة أن يوفر مرجعاً للباحث وصانع القرار والإعلامي وكل من يرغب في فهم بيئة بلاده وتحولاتها)، وبشأن كيفية حفاظ المركز على مساره التصاعدي، أوضح المختصون انه (لم يتم التعامل مع البيئة بوصفها قضية موسمية ترتبط بالمناسبات، بل سعى المركز إلى تأسيس مسار مستمر يجمع بين البحث العلمي والتوعية والحوار والتوثيق وبناء الشراكات، مع التركيز على القضايا المرتبطة بحياة المواطنين واحتياجات المجتمع، كما أسهم وضوح الرؤية واختيار الأولويات والانفتاح على الخبرات)، وبينوا أن (ذلك يأتي من روح المبادرة والعمل الجماعي في دعم انطلاقته، ومساعدته على تجاوز صعوبات البدايات والاستمرار رغم محدودية الإمكانات والتحديات التي تواجه المؤسسات البحثية والبيئية)،
مواصلة البناء
واضافوا ان (المرحلة المقبلة تتطلب مواصلة البناء على ما تحقق، وتحويل المبادرات الأولى إلى برامج مستدامة، بما يعزز حضور المركز وقدرته على الإسهام في تطوير المعرفة البيئية)، لافتين الى انه (لا ينبغي أن يقتصر إحياء هذه المناسبة على الشعارات والفعاليات الرمزية، بل يتطلب تعزيز البحث العلمي ورفع مستوى الوعي المجتمعي، وتقييم السياسات البيئية وإطلاق المبادرات القادرة على إحداث أثر ملموس في الواقع)، ومن جهته مركز العلمين، يرى ان (ذلك فرصة لتأكيد أهمية حضور المعرفة البيئية في المجال العام، وإيجاد بيئة سليمة ومياه آمنة، وتنمية مستدامة تراعي حقوق الأجيال القادمة)، وأنجز المركز خلال عامه الأول خطوات تأسيسية وصفت بالمهمة، إلا أن (قيمتها الحقيقية تكمن في كونها بداية لمسار أطول يتطلب الاستمرارية والتطوير، وتبرز في مقدمة الأولويات المقبلة مواصلة العمل على الموسوعة البيئية العراقية، وتحويل المؤتمر الأول إلى تقليد علمي دوري، وتوسيع برامج الدراسات والنشر والتدريب والتوعية، فضلاً عن بناء قواعد بيانات تسند عمل الباحثين وصناع القرار، كما يتطلب تطوير هذا المسار تعزيز مشاركة الشباب والطلبة والباحثين الجدد، باعتبارهم جزءاً أساسياً من بناء الوعي البيئي، ولا سيما أن الأجيال المقبلة ستكون الأكثر تأثراً بتداعيات التغيرات المناخية وشح الموارد الطبيعية).
وبعد عام على التأسيس، انتقل المركز من (فكرة طموحة إلى مشروع علمي يسعى إلى بناء حضور مستدام في القضايا البيئية العراقية، وقد شكل المؤتمر الأول ومشروع الموسوعة البيئية العراقية محطتين بارزتين في هذه المسيرة، باعتبارهما خطوتين نحو توسيع الحوار العلمي وتوثيق المعرفة الوطنية، وقيمة هذه البداية لن تقاس بما تحقق خلال عام واحد فحسب، بل بقدرة المركز على تحويل منجزاته التأسيسية إلى برامج متواصلة، وإنتاج معرفة موثوقة، وتوسيع شراكاته، وتعزيز أثره في المجتمع ومؤسسات الدولة، بما ينسجم مع تزايد تحديات المياه والمناخ والتصحر والتلوث، والرغبة بحماية الموارد الطبيعية، وترسيخ مؤسسة علمية قادرة على تحويل المعرفة إلى وعي، والوعي إلى مبادرات، والمبادرات إلى أثر بيئي مستدام).