الوزير المتاجر بالوظيفة العامة
صلاح الدين الجنابي
المتاجرة بالوظيفة العامة سلوكٌ يجرّمه القانون العراقي بحسب صوره وأشكاله، حتى في أبسط الوظائف، ولها صور متعددة، محورها تعمّد الانتفاع من الوظيفة العامة ماليًا، واجتماعيًا، وانتخابيًا، وحزبيًا، وشخصيًا، وعائليًا، بأساليب وطرائق متنوعة، ملموسة وغير ملموسة. وهذا السلوك مخالف للدستور، ويجرّمه القانون؛ لأن آثاره مدمرة لأخلاقيات المهن وقيم الوظيفة العامة، ومُضعِفة لضمير المجتمع والهوية الوطنية.
الوزير صاحب مرتبة وظيفية مرموقة، يتمتع بصلاحيات واسعة ومؤثرة، تمنحه سلطات حاسمة في وزارته، ورأيًا مسموعًا ومعتبرًا في مختلف القضايا المحلية والوطنية، وله صوت مهم وفاعل في التصويت وإبداء الرأي في مجلس الوزراء.
استغلال هذا المنصب الوطني الجامع للانتفاع أو المتاجرة بالوظيفة العامة، من خلال تكليف وترشيح المديرين العامين، وتعيين مديري الأقسام، وتعيين الموظفين وترقيتهم ومكافأتهم ونقلهم ومعاقبتهم، ومنح العقود، وإبرام الاتفاقات، وقيادة وتوجيه كل عمليات الوزارة وشؤونها؛ وتطويع ما ذُكر وغيره بطرق رمادية، وممارسات ضبابية، وسلوكيات ملتوية، وإجراءات شفوية، وقيم انتقائية، يؤدي إلى صراع سلبي، وإحباط وانسحاب وظيفي من جهة، وانهيار قيمي، وشك مجتمعي، وإضعاف روح المواطنة، وضياع للهوية الوطنية من جهة أخرى.
الانتفاع غير المشروع من الوظائف في المستويات الدنيا أو الإشرافية البسيطة يمكن منعه أو علاجه أو تحييده، ولكنه محبط وقاتل للإبداع، وهالك للمسؤولية، ومدمر للمواطنة، إذا مارسه الوزير وفرضه كثقافة ملزمة للطبقة المهيمنة في الوزارة.
هنا لا بد من التأكيد على أن عملية اختيار الوزير وطرح اسمه لكسب ثقة مجلس النواب تُعلّق المسؤولية الوطنية والمهنية والأخلاقية على الكتلة التي ترشحه، ورئيس مجلس الوزراء الذي اعتمد هذا الترشيح من جهة، وعلى مجلس النواب الذي يمنحه الثقة من جهة أخرى؛ لذلك فإن هذه العمليات يجب أن تتم تحت مظلة الوطن والمهنة والأخلاق والمواطنة.