الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
اليوم الخامس.. علمٌ فوق البئر ومفتاحٌ عند الجار

← بواسطة azzaman

اليوم الخامس.. علمٌ فوق البئر ومفتاحٌ عند الجار

كاظم نزار الركابي

 

في البصرة، ينتهي العامل من تحميل الناقلة، ثم يرفع رأسه نحو الجنوب. يداه تملكان البرميل، والطريق إلى السوق يملكه غيره. وراءه بيت ينتظر راتبًا، ومستشفى ينتظر دواءً. وأمام الناقلة مضيق تقرر الحرب مَن يعبره وبأي ثمن. وفي شمال البلاد تطوي المهمة العسكرية للتحالف صفحتها الأخيرة، وتتهيأ بغداد لرفع الأعلام احتفاءً بخروج القوات، فيما تبقى الموازنة معلقة بحبال ناقلة. هكذا تتجلى السيادة في صورتين متقابلتين: باب قاعدة يُغلق، وباب رزق ينتظر مَن يفتحه.قالها رئيس الوزراء علي فالح الزيدي لصحيفة “نيويورك تايمز” بلغة الأرقام الباردة: العراق خسر نحو 60 بالمئة من عائداته النفطية الشهرية بسبب الحرب، وما فاته منذ اندلاعها يقارب ستين مليار دولار، وطهران لم تسمح للناقلات العراقية بالعبور. الرقم رواية رئيس الحكومة، وطريقة احتسابه ملكٌ للرأي العام؛ فصدقية الخسارة تبدأ من كشف حسابها. والتصريح أثقل من الرقم بكثير: الجار الذي تسميه بغداد شريكًا يضع، بشهادة رئيس وزرائها، أصابعه على الشريان الذي تتنفس منه خزينتها. خطاب القرب شيء، وحساب المصالح شيء آخر. الدول تُقرأ بدفاتر حساباتها وتُنسى خطبها.والصورة أدق من رواية المنع المطلق. ناقلات عراقية عبرت هرمز خلال الأزمة، ووزارة النفط أعلنت أن معدل صادرات أيلول بلغ نحو مليونين وستمئة ألف برميل يوميًا، وأن رقم الأربعة ملايين يخص يومًا استثنائيًا اجتمعت فيه منافذ مختلفة. وبين الرقمين تسكن الحقيقة الأشد إيلامًا: تصدير يتواصل بشروط يمليها الآخرون، وبلد يجهل كل صباح كم برميلًا سيبلغ مشتريه، وكم سيبقى له من ثمنه.

ثروة على الورق

تلك هي سيادة الصمّام. الدولة تملك الحقل وتفقد اليقين بالطريق؛ يرتفع علمها فوق البئر، وتبقى قيمة البرميل رهينة عند بوابة البحر. ارتفاع الأسعار يضاعف ثمن الشحنة الواصلة، وتعثّر الشحن يلتهم المكسب، وأجور النقل والتأمين والخصومات تنهش الإيراد الحقيقي. العراقي الذي ينتظر راتبه يقبض ما يبقى في الخزينة بعد عبور الناقلة وسداد كلفتها، وسعر برنت المتلألئ على الشاشات لا يقول له كم بقي من ثمن برميله بعد الخصم والنقل والتأمين. النفط العاجز عن بلوغ السوق ثروة على الورق، وضيق في البيوت.البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية وضع رقمًا صادمًا على هذا الجرح: انكماش متوقع للاقتصاد العراقي بنحو 12بالمئة هذا العام، مربوط بتعطل الصادرات عبر هرمز، مع طرق بديلة حملت أقل من ربع الحجم المعتاد. وقسوة الرقم في السرعة التي تعبر بها أزمة بحرية المسافة من المضيق إلى المدينة: ينضغط الإنفاق، وتتقلص قدرة الدولة على التخطيط، ويتحول قرار صادر خارج الحدود إلى خوف على راتب داخلها. هذا هو الوجه الذي يخفيه لقب العراق بلدًا نفطيًا غنيًا.قرر مجلس الوزراء أن تمتد “أيام السيادة” أربعة أيام، احتفاءً بخروج القوات الأجنبية. الاحتفاء مستحق؛ فالجلاء محطة تُسجَّل للدولة، والعلم الذي يرتفع فوق أرض غادرها الجندي يحمل معنى لا يجوز انتقاصه. أربعة أيام للاحتفاء بالسيادة، ويومها الخامس هو امتحانها. مَن يمسك قرار السلاح داخل الحدود؟ ومَن يضمن المورد الذي يحمل الدولة على كتفيه؟ الجندي يغادر في يوم محدد، واعتماد الموازنة على هرمز حصيلة عقود من البناء المؤجل، وفك هذا الارتهان يحتاج قرارًا يمتد أبعد بكثير من أيام الاحتفال.

الاختناق المزدوج

العراق يطلب طريقًا آمنًا لنفطه، وأرضه استُعملت لضرب أنبوب الشرق والغرب السعودي، المخرج الذي شيدته الرياض لتفلت من قبضة هرمز. التحقيق العراقي أكد أن الإطلاق تم من داخل البلاد، وحسم مسؤولية المنفذين دينٌ على الدولة واجب السداد. أجّلت الرياض ردها، ثم أعادت تشغيل الأنبوب بطاقة مخفضة، فيما تحتاج استعادة طاقته الكاملة أسابيع. أصلحت السعودية طريقها الثاني، وبقي العراق يبحث عن طريقه.

هذا هو الاختناق المزدوج: بغداد تدفع ثمن المضيق الذي تخنقه الحرب، وتدفع من رصيد ثقة الجوار ثمن أرض تُركت لتصير منصة لضرب ممرات الآخرين. تلك ذروة الانكشاف الجيوسياسي: ضحية ومنصة في أسبوع واحد.

وللمفارقة أثر يتجاوز الرياض. كل جار يُعرض عليه أنبوب عراقي يسأل عن أمن الطريق قبل رسوم العبور، وكل مسيّرة تخرج من الأرض العراقية تحرق جواب بغداد قبل أن تنطقه. ومَن يستأثر بقرار إطلاقها يصادر من الدولة حقها في التفاوض باسم المزارع والموظف والعامل. تلك خسارة سيادية مؤجلة الثمن: فرص تصدير تجمد، واستثمارات تتراجع، وممرات تصير رهينة شكوك لا تبددها إلا سلطة دولة واحدة.

عرف العراق معنى البدائل يوم حمل خامه أنبوب عبر السعودية إلى البحر الأحمر، وفتح له خط تركيا نافذة على المتوسط. وفتح اتفاق جديد مع تركيا الطريق الشمالي، وما يحمله فعليًا ما زال أضيق بكثير من المورد الذي ينتظر العبور. حتى الشاحنات بدأت تنقل الخام من الجنوب إلى كركوك؛ صورة تقول إن العراق يبحث عن رئته الثانية بعجلات تسابق زمن الأنبوب.

الأنابيب تُبنى حين تعلن بغداد الطاقة المطلوبة، وكلفة المشروع، وموعد تشغيله، والجهة التي تحاسب على تعثره. صور توقيع العقود لم تحمل يومًا برميلًا واحدًا. وفي نيويورك دخل اسم العراق مقترحًا أميركيًا لصندوق إقليمي يبني طرق الطاقة حول هرمز. دخول الاسم في العرض لا يصنع بديلًا؛ البديل يبدأ يوم يحمل الأنبوب أول برميل، ويعرف العراقي مَن يحاسب إذا تأخر. فحين يمول مورد واحد رواتب الدولة وخدماتها، يصير أمن الطريق أمن البيت العراقي، ويغدو الاستقلال الاقتصادي بناء يُشاد عامًا بعد عام: إنتاج يعمل، ومنافذ متعددة، وخزينة تتنفس من رئة ثانية إذا اختنقت الأولى.

مقعد عند المضيق

من نيويورك وصفت رئيسة وزراء اليابان هرمز بأنه منفعة عامة دولية، وطالبت بملاحة آمنة لجميع السفن بلا كلفة إضافية، وبإشراك الدول المعنية والمنظمة البحرية الدولية. وفي نهاية الأسبوع رفضت واشنطن مقترحًا إيرانيًا يعيد فتح المضيق خلال سبعة أيام، فبقي باب البحر داخل التفاوض العسكري. طوكيو تتكلم عن مصلحة تبعد عن شواطئها آلاف الأميال، وبغداد تعيش أثر المضيق في موازنتها كل صباح، ويبقى صوتها أدنى من حجم خسارتها. وأروقة الدبلوماسية تحفظ حكمًا لا يلين: مَن يغيب عن الطاولة يكتشف أن الآخرين تفاوضوا على حصته.حضور العراق اجتماعًا في نيويورك فرصة، والموقف المعلن وحده يحوّل الحضور إلى أثر. تستطيع بغداد أن تجمع الدول المنتجة والمستوردة حول مبدأ واحد: المضيق طريق للتجارة العالمية، ومرور السفن حق تحميه القواعد الدولية. وتستطيع أن تطلب مساندة المنظمة البحرية الدولية، وأن تربط التفاوض على الحرب بمصير السفن المدنية ومداخيل الدول التي تصدر عبرها. مَن يترك تعريف المشكلة لغيره يجد حلها مكتوبًا بلغة مصالحهم.أمام بغداد ثلاثة التزامات يسند بعضها بعضًا: موقف دبلوماسي يرفض المساومة على حرية المرور، وخطة منشورة بمواعيد وكلف لتوسيع البدائل، وقرار نافذ يمنع استعمال أرض العراق لضرب ممرات الجيران. فالممر يحتاج ثقة، والثقة تحتاج دولة تمسك بالسلاح، والدبلوماسية تحتاج بلدًا ينفذ ما يطلبه من الآخرين. سيادة الصمّام أن تمسك بغداد بما تملك التحكم فيه على أرضها، وأن تفاوض بقوة القانون والمصلحة على ما يقع خارجها.

موعد الصمّام

يخرج الجندي من القاعدة في موعده، ويبقى الصمّام، في اليوم الخامس، يسأل بغداد عن موعدها. يوم السيادة الحقيقي يبدأ حين تصير للبرميل العراقي طرق تحميه، وللدولة يد تمنع الحرب من الانطلاق من أرضها، وصوت يرتفع بحقه عند مضيق العالم.

السيادة التي تبلغ باب القاعدة وتتوقف عند بوابة البحر تترك العراق واقفًا عند باب رزقه.

 

 


مشاهدات 12
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/09/28 - 3:29 PM
آخر تحديث 2026/09/29 - 12:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 43 الشهر 49153 الكلي 16581673
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/29 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير