أبو عوف..عندما كان الكراس يصدر بلا ضجيج
نجم عبد كريدي
يستغرب كثيرون من المبالغة التي يبديها البعض في الإشادة بإصدار كراس الاتحاد العراقي لكرة القدم الخاص بمسابقة الدوري، وكأننا أمام تحفة فريدة أو إنجاز استثنائي قلّ نظيره، مع أن إصدار مثل هذا الكراس هو في الأساس جزء من صلب عمل الاتحاد وواجباته التنظيمية التي تتكرر مع انطلاق كل موسم كروي. والأغرب من ذلك أن أحد المحللين في القناة العراقية الرياضية، وكذلك أحد الزملاء الإعلاميين، تحدثا عن الإصدار بطريقة توحي وكأنه إنجاز كبير يستحق كل هذه الهالة الإعلامية، في حين أن تاريخ الكرة العراقية يخبرنا بأن مثل هذه الأمور كانت تُنجز في ظروف أصعب بكثير، وبإمكانات أقل، ومن دون كل هذه الضجة. وهنا لا بد أن نتذكر رجلاً اسمه عبد الرحمن ، المعروف بلقب «أبو عوف» رحمه الله. كان «أبو عوف» شخصية إدارية رياضية معروفة، وأحد الوجوه التي ارتبط اسمها بالعمل الإداري والتنظيمي في الاتحاد العراقي لكرة القدم لعقود، ولا سيما خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي وما سبقها. كان رجلاً بسيطاً ومتواضعاً، لكنه كان كبيراً في عطائه ومسؤولياته. ولم يكن دوره محصوراً في مهمة واحدة؛ بل كان يقوم بمهام عديدة داخل الاتحاد، ويتابع المسابقات والمباريات والواجبات التنظيمية المختلفة، حتى إن من عرفوه في تلك الفترة كانوا يرونه أشبه بـ «مؤسسة كاملة» تعمل داخل الاتحاد.
لكن ما علاقة «أبو عوف» بكراس الدوري؟
العلاقة كبيرة جداً.
ففي ذلك الزمن، وفي سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، حين لم تكن هناك إنترنت، ولا حواسيب متطورة، ولا منصات إلكترونية، ولا وسائل التواصل الاجتماعي، ولا ذكاء اصطناعي، ولا الإمكانات التقنية المتاحة اليوم، كان «أبو عوف» يقوم بإعداد وإصدار كراس يتضمن مباريات الدوري وبرنامجه، ويوزع قبل وقت مناسب على الأندية ووسائل الإعلام والأطراف المعنية بالمسابقة. وكان يفعل ذلك بهدوء، وبلا ضجيج، وبلا حملات إشادة، وبلا استعراض إعلامي.
كان العمل هو الذي يتحدث.
وكان الكراس وسيلة تنظيمية وإعلامية يحتاجها الجميع، وليس مناسبة للاحتفال بمن أصدره أو لتقديمه على أنه إنجاز استثنائي. وهنا يأتي السؤال الذي يستحق التوقف عنده:
إذا كان «أبو عوف» يستطيع في تلك الظروف الصعبة أن ينجز مثل هذه المهام، ويوفر المعلومات المتعلقة بالدوري ويوزعها على أطراف اللعبة، فلماذا أصبح إصدار كراس الدوري اليوم مناسبة لكل هذا التباهي والضجيج؟ نحن لا نقلل من قيمة أي جهد، ولا نقول إن إصدار الكراس أمر غير مهم، بل على العكس؛ إن توفير المعلومات المنظمة عن مباريات الدوري أمر ضروري ومهم، ونشكر كل من أسهم في إنجازه. لكن هناك فرقاً بين تقدير العمل وبين تضخيم العمل. والأهم أن نسأل: هل وصل الكراس إلى جميع الأطراف التي تحتاجه فعلاً؟
فالمعلومات الخاصة بمسابقة الدوري لا يحتاجها النادي وحده؛ هناك الحكام، والمشرفون والمقيمون، والمدربون، واللاعبون، والمحللون، والإعلاميون في الصحافة والإذاعة والتلفزيون، وغيرهم من العاملين والمتابعين للمسابقة.
ومن هنا، فإن اقتصار التوزيع على الأندية وبنسخ محدودة، مع توفر وسائل الاتصال والتكنولوجيا التي لم تكن موجودة في زمن «أبو عوف»، يفتح باباً مشروعاً للتساؤل: هل كان بالإمكان إيصال الكراس إلى عدد أكبر من المعنيين بالمسابقة؟
بالتأكيد، التكنولوجيا اليوم تجعل عملية التوزيع أسهل بكثير مما كانت عليه في الماضي، وكان من الممكن، إلى جانب النسخ الورقية، توفير نسخة إلكترونية تصل إلى الحكام والمدربين والمحللين والإعلاميين وجميع الأطراف المعنية.
وهنا تظهر المفارقة الجميلة والمؤلمة في آن واحد:
«أبو عوف» كان يعمل في زمن شحّت فيه الإمكانات، بينما نحن نعيش في زمن وفرة التكنولوجيا... لكنه كان ينجز بصمت، ونحن أحياناً نحتفل بالإنجاز قبل أن نسأل عن مدى وصوله وفائدته. لم يكن «أبو عوف» بحاجة إلى من يقول لنا إنه أنجز عملاً عظيماً. كان عمله هو الذي يقول ذلك.
ولم يكن يحتاج إلى محلل أو إعلامي ليصف إصدار الكراس بأنه إنجاز قل نظيره. كان يكفي أن يصل الكراس إلى يد الحكم، والمدرب، والإعلامي، والنادي، وكل من يحتاج إليه. رحم الله «أبو عوف»... الرجل الذي كان يعمل وكأنه مؤسسة كاملة، ويصدر كراس الدوري وكأنه يؤدي واجباً طبيعياً، لا إنجازاً يحتاج إلى كل هذا الضجيج. والدرس الذي تركه لنا بسيط جداً: ليست قيمة العمل في حجم الضجة التي ترافقه، وإنما
في فائدته، وشموله، ودقته، ووصوله إلى من يحتاجه.فربما نحتاج اليوم إلى أن نتذكر «أبو عوف» أكثر، لا لكي نقلل من جهد أحد، وإنما لكي نعرف الفرق بين من يؤدي واجبه بإخلاص، ومن يجعل من أداء الواجب نجازاً استثنائياً يحتاج إلى التصفيق. أبو عوف... اسمٌ من زمن كانت فيه الإنجازات تُنجز، قبل أن تُسوَّق!!