إصلاح الدولة العراقية: من إدارة الأزمات إلى بناء المستقبل (8)
التقاعد حق المواطن لا إمتياز للموظف
سامي العسكري
من بين العوامل التي تدفع المواطن العراقي إلى البحث عن وظيفة في مؤسسات الدولة، حتى عندما تتوافر أمامه فرص عمل خارجها، ما توفره الوظيفة الحكومية من ضمانات للمستقبل، وفي مقدمتها الراتب التقاعدي.
فالمواطن لا يبحث عن راتب يؤمّن معيشته اليوم فحسب، بل عن ضمانة تحميه عندما يتقدم به العمر وتنتهي قدرته على العمل.
ولذلك، فإن معالجة تضخم الجهاز الحكومي لا يمكن أن تقتصر على إصلاح نظام التوظيف، بل تتطلب إعادة النظر في نظام التقاعد نفسه، والانتقال من ضمان الموظف إلى ضمان المواطن.
التقاعد ضمان اجتماعي لا مكافأة وظيفية
يقوم نظام التقاعد الحكومي الحالي في العراق على معادلة تأخذ في الحسبان الراتب الاسمي للموظف قبل التقاعد وعدد سنوات خدمته، وتضاف إليها مخصصات ترتبط بالتحصيل الدراسي. وهو نظام صُمم أساساً لموظفي الدولة، وإن كانت هناك أنظمة أخرى للضمان والتقاعد تشمل فئات من العاملين خارج مؤسساتها.
والمشكلة لا تكمن في معادلة الاحتساب وحدها، بل في الفلسفة التي تجعل الوظيفة الحكومية أساساً للحصول على الضمان التقاعدي، وتربط مقدار الاستحقاق بعوامل لا تتصل جميعها بالمساهمات الفعلية التي دفعها المواطن طوال سنوات عمله.
فالتقاعد ليس تكريماً لمن أمضى سنوات في خدمة الدولة، ولا مكافأة على موقعه الوظيفي أو شهادته الدراسية، وإنما هو نظام للضمان الاجتماعي يهدف إلى حماية المواطن من العوز في شيخوخته، يضاف إليه حق مالي ينشأ عن مساهماته طوال حياته العملية.
مسؤولية الدولة
ومن هذا المنطلق، فإن إصلاح نظام التقاعد ينبغي أن يقوم على ركيزتين واضحتين: مسؤولية الدولة عن توفير الحد الأدنى من متطلبات المعيشة للمواطن عند بلوغه السن التقاعدية، وحق المواطن في الحصول على استحقاق إضافي يتحدد وفق مساهماته في صندوق التقاعد.
حق المواطنة ومسؤولية الدولة
الركيزة الأولى هي حق المواطنة، الذي ينبغي أن يشمل جميع العراقيين، رجالاً ونساءً، سواء كانوا موظفين في مؤسسات الدولة، أو عاملين في القطاع الخاص، أو أصحاب مهن حرة، أو ممن لم تتح لهم فرصة العمل أصلاً.
وتتحمل الدولة مسؤولية تمويل هذا الجزء من التقاعد، على أن يتحدد مقدار ما تدفعه لكل مواطن وفق احتياجاته وظروفه الاقتصادية، بما يوفر له الحد الأدنى من متطلبات المعيشة.
فالمساواة في الحق لا تعني بالضرورة المساواة في مقدار الدعم المالي. ولا يستقيم أن يحصل المواطن الذي يمتلك ثروة كبيرة وموارد مالية كافية على الدعم نفسه الذي يحصل عليه مواطن لا يمتلك ما يكفل له متطلبات الحياة الأساسية.
ولهذا، فإن تحديد مقدار مساهمة الدولة ينبغي أن يأخذ في الحسبان موارد المواطن المالية ومدخراته وممتلكاته ودخله الآخر، بما في ذلك ما يحصل عليه من صندوق التقاعد، وفق معايير واضحة وعادلة تحفظ كرامته وتمنع حرمانه من الحماية التي يحتاج إليها.
وبذلك يصبح حق المواطنة أساساً لضمان الحد الأدنى من المعيشة، وليس مبلغاً ثابتاً يُصرف للجميع بصرف النظر عن أوضاعهم الاقتصادية.
المساهمات التقاعدية: حق يكتسبه المواطن
أما الركيزة الثانية، فهي الاستحقاق الذي ينشأ عن مساهمات المواطن في صندوق التقاعد طوال السنوات السابقة على بلوغه السن التقاعدية.
ويقوم هذا الجزء على مساهمات إلزامية تُستقطع من رواتب العاملين في القطاعين العام والخاص، ومساهمات إلزامية يلتزم بها أصحاب المهن الحرة وفق قواعد تتناسب مع دخولهم.
وإلى جانب هذه المساهمات، ينبغي أن تتاح لجميع المواطنين إمكانية دفع مساهمات طوعية إضافية، دون تمييز بين موظف حكومي وعامل في القطاع الخاص وصاحب مهنة حرة. فكلما زادت مساهمات المواطن، زاد استحقاقه التقاعدي وفق قواعد احتساب موحدة ومعلنة.
استدامة مالية
وهذا الجزء ليس منحة من الدولة، ولا ينبغي أن يخضع للتمييز بحسب المهنة أو المؤهل الدراسي أو الموقع الوظيفي، وإنما هو حق مالي يتحدد وفق المساهمات التي دفعها المواطن طوال سنوات عمله.
ويتطلب ذلك إنشاء نظام واضح لإدارة المساهمات واحتساب الاستحقاقات، بما يحفظ حقوق المشتركين ويضمن الاستدامة المالية للصندوق، ويفصل بين الأموال المخصصة للضمان الاجتماعي الذي تموله الدولة، والأموال المخصصة للحقوق الناشئة عن المساهمات.
لا امتياز تقاعدياً للشهادة أو المنصب
سبق أن تناولنا في هذه السلسلة العلاقة بين الشهادة الدراسية والوظيفة، وأكدنا أن الشهادة تؤهل صاحبها للحصول على عمل يتناسب مع تخصصه وكفاءته، لكنها لا ينبغي أن تنشئ بذاتها امتيازاً مالياً مستقلاً عن طبيعة العمل الذي يؤديه.
وينطبق المبدأ نفسه على التقاعد.
فالمؤهل الدراسي قد يتيح لصاحبه الحصول على وظيفة ذات راتب أعلى، مما يمنحه القدرة على دفع مساهمات تقاعدية أكبر، إلزامية كانت أم طوعية. وبهذا يكون أثر الشهادة قد تحقق خلال الحياة العملية، وانعكس على مقدار الاستحقاق التقاعدي من خلال حجم المساهمات.
أما منح زيادة إضافية في الراتب التقاعدي لمجرد حمل شهادة معينة، فيعني إدخال معيار ثالث لا علاقة مباشرة له بحق المواطنة أو بالمساهمات التي دفعها المواطن.
وينطبق الأمر نفسه على الموقع الوظيفي. فلا ينبغي أن يحصل المدير العام على زيادة تقاعدية لمجرد أنه شغل منصب مدير عام، أو الأستاذ الجامعي لمجرد أنه يحمل شهادة الدكتوراه.
فإذا كانت رواتبهم أعلى خلال سنوات العمل، وكانت مساهماتهم في صندوق التقاعد أكبر تبعاً لذلك، فإن هذه المساهمات ستنعكس على استحقاقاتهم التقاعدية بصورة طبيعية.
وبالمقابل، قد يستحق عامل في مصنع أو صاحب مهنة حرة راتباً تقاعدياً أعلى من موظف حكومي كبير إذا كانت مساهماته في الصندوق أكبر.
وهكذا لا تكون المساواة في مقدار الرواتب التقاعدية، بل في القواعد التي تحددها.
الإصلاح لا يعني المساس بالحقوق المكتسبة
إن الانتقال إلى نظام تقاعدي جديد لا يمكن أن يتم بقرار مفاجئ يتجاهل الحقوق التي اكتسبها الموظفون والمتقاعدون بموجب التشريعات القائمة.
فمن أمضى سنوات عمله وفق نظام معين، ورتب التزاماته ومستقبله على أساس الحقوق التي يمنحها ذلك النظام، لا ينبغي أن يتحمل وحده تبعات تغييره.
ولهذا، فإن الإصلاح يتطلب انتقالاً تدريجياً ومدروساً، يحفظ الحقوق المكتسبة، ويحدد بوضوح القواعد التي ستطبق على المشتركين الجدد، وكيفية التعامل مع سنوات الخدمة والمساهمات السابقة للمشتركين الحاليين.
كما يتطلب دراسة مالية بعيدة المدى تحدد مصادر تمويل حصة المواطنة، ونسب المساهمات الإلزامية، وآليات إدارة الصندوق، بما يضمن قدرته على الوفاء بالتزاماته تجاه المتقاعدين في الحاضر والمستقبل.
فالغاية ليست تخفيض الرواتب التقاعدية أو نقل الأعباء المالية من الدولة إلى المواطن، وإنما بناء نظام أكثر شمولاً واستدامة، تتوزع فيه المسؤوليات بوضوح بين الدولة والمواطن.
من ضمان الموظف إلى ضمان المواطن
إن إصلاح نظام التقاعد ليس مجرد تعديل لمعادلة احتساب الرواتب، بل هو جزء أساسي من إصلاح الدولة وإعادة تنظيم علاقتها بالمواطن.
فما دام الأمان في الشيخوخة مرتبطاً بالوظيفة الحكومية، سيظل المواطن ينظر إليها باعتبارها الضمانة الأكثر استقراراً لمستقبله، حتى عندما تتوافر أمامه فرص عمل أخرى.
ومن دون إصلاح جذري يجعل نظام التقاعد شاملاً لجميع المواطنين، ويضمن لهم الحماية الاجتماعية بصرف النظر عن طبيعة أعمالهم، ستظل الدعوات إلى تقليص التوظيف الحكومي وتشجيع العمل في القطاع الخاص تصطدم بأحد أهم أسباب الإقبال على الوظيفة الحكومية.
فالإصلاح لا يتحقق بحرمان المواطن من الأمان الذي يبحث عنه، بل بتحرير هذا الأمان من الارتباط بالوظيفة الحكومية، وجعله حقاً للمواطن أينما كان موقعه في الحياة الاقتصادية.
كاتب عراقي مهتم بقضايا الدولة