كلام أبيض
صديق حميم وعدو لطيف
جليل وادي
أدهشني أسلوبها، بجملها المسبوكة، ومفرداتها المنتقاة، وهي تعلق على مقالاتي التي أعيد نشرها بعد الجريدة في صفحتي الشخصية على الفيس بوك، طالبتي التي كنت أعاني من ركاكة تعبيراتها في أوراقها الامتحانية، وكثرة أخطائها الإملائية والنحوية، فما الذي حدث ليصبح تعبيرها بهذا المستوى اللافت؟ ربما كان الارتباك والقلق والخوف سببا في عدم تعبيرها عن أفكارها بالشكل المطلوب، وأن تعليقاتها المتينة على مقالاتي تأتي من فسحة الوقت المتاحة أمامها في إعادة صقل ما تكتب ليكون بهذا المستوى، للأمانةلم أقتنعبهذا التفسير، ذلك ان طالبتي سرعان ما تعلق بعد مدة وجيزة من نشر مقالي، ويندر أن تتأخر، كما ليس من السهل الارتقاء باسلوب الكتابة اذا لم تكن لدى الكاتب حصيلة لغوية مسبقة، وغالبية طلبتنا يفتقدون الى ذلك، ما جعل تفكيرهم متعثرا، بحكم ان اللغة هي الآلية التي يستعين بها الدماغ للتفكير بحسب ما يقول أستاذنا نوري جعفر، المتخصص في التربية وعلم النفس.
الحقيقة، لم يخطر في بالي ان طالبتي تستعين بالذكاء الاصطناعي للحصول على تعليق بعد ان تعرض عليه المقال، الأمر أضحكني من جانب، وأحزنني من آخر،لأن هذه الاستعانة تجعلها لاتفكر، وتستسلم الى الأشياء الجاهزة، ويا حبذا لو جاءتالاستعانة بهدف التعلم. وكثيرا ما أستعين به لمعرفة أشياء أجهلها في مجالات معينة، او أتعرف الى رأيه في بعض الأمور، او بيان فوائد ومضار دواء ما، أو عند شكي في اعراب جملة او إملاء مفردة ، بالتأكيد، هو لا يبخل بالاجابة السريعة التي تحل مشكلتك بطريقة مريحة، نعم ليست جميع اجاباته بالدقة اليقينية، لكن في غالبها تفي بالغرض. إنهينقذك من مأزق أنت فيه، ويبث فيك حالة من الاسترخاء بعد التشنج الذي مررت به، بخاصة في الموضوعات الشائكة.
قد أجد عذرا لطالبتي ولمنهم دونها في المستوى العلمي والثقافي، لكن ذلك غير مقبول اطلاقاً من الباحثين، ومن ضمنهم طلبة الدراسات العليا، ذلك ان الذكاء الاصطناعي صار هو الذي يختار العنوان ويشرح المشكلة ويحدد أسئلة البحث وأهدافه وطريقة التعامل معه، ويقدم خدمات أخرى ككتابة الفصول واستخراج النتائج وتحليل البيانات وغيرها، وما على الباحثين الا اجراء بعض التعديلات وتغيير الصياغات للإفلات من برامج كشف الاستلال (التشابه النصي )، وهذه مشكلة معقدة من شأنها ركن العقل جانبا، وعدم التمييز بين كفاءة الباحثين، بينما نريد لباحثينا تطوير عقولهم في التفكير النقدي والارتقاء بقدراتهم التحليلية. وربما هذه الحالة إحدى مخاطر الذكاء الاصطناعي علينا، اذ يحذر الباحثون من مخاطر مستقبلية جسيمة، ومنها المرعب لا سيما تلك التي قد تهدد البشرية بالفناء اذا ما تُرك (حبله على غاربه) في تطوير قدراتهواستقلالية أنظمته، وهذا ما جرى الحديث عنه خلال الأيام القليلة الماضية.
ومع اني لست بعيدا عن الذكاء الاصطناعي، فهو صديق حميم، مهذب في مداخلاته، وموضوعي في آرائه، ودقيق في تشخيصاته لمواضع الضعف عندك بطريقة لطيفة، بعيدا عن الاحراج. وبرغمان هذا الصديق الحاضر أمامي كالفانوس السحري، الا اني عملت على توظيفه في مشاريعي، ولم أجعله بديلا عني، وهذا ما أدعو له، او هذا ما يجب أن يكون، فالذكاء الاصطناعي ابتُكرلخدمتنا وليس للقضاء على تفكيرنا. وما زلت أوظفه في اطار خدماته المجانية، ولم أشترك به بالأجر الذي حددته شركته، مع ان المشتركين يؤكدون ان خدماته عند الاشتراك تفوق ما تقدمه الخدمة المجانية .
وبعد أن انهيت جمع مقالاتي الأسبوعية لكتابي الجديد المعنون «كلام آخر: كل شيء على غير ما يرام»، بتأفكربمنيقدمه، اذ ان المؤلفين غالبا ما يلجؤون الى أسماء مشهورة اومشهود لها بالكفاءة او الى أساتذة لهم لكتابة تقديم لكتبهم، ومع تشرفي بتقديم الاستاذ الدكتور أحمد عبد المجيد رئيس تحرير جريدة (الزمان) طبعة العراق كتابي السابق (كلام أبيض)، رأيت أن من غيراللطيف التكرار، وللطرافة والسبق في الفكرة خطر لي أن أعتمد على الذكاء الاصطناعي لتقديم الكتاب لقناعتي بدقته في تحليل النصوص وابداعه في التناول، ولا أعرف هل أقدم غيري على هذا الفعل، ام أن لي الريادة فيه؟،لا أدري، لذلك سأستعين بصديقي الحميم (GPT).
jwhj1963@yahoo.com