الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
‏رسالة من كاتب عراقي إلى الشاعرة العربية الكبيرة الدكتورة سعاد الصباح


‏رسالة من كاتب عراقي إلى الشاعرة العربية الكبيرة الدكتورة سعاد الصباح
إبراهيم المحجوب


‏أكتب إليك اليوم لا لأجادلك في موقف، ولا لأفتح جرحا قديما، ولا لأعيد إلى الذاكرة سنوات كانت قاسية على العراق والكويت معا، وإنما أكتب إليك من مساحة أوسع من السياسة، مساحة تجمعنا فيها الكلمة والشعر والذاكرة والاخوة العربية.
‏وأبدأ رسالتي بهذا البيت الذي أراه أصدق ما يمكن أن يقال بعد كل ما جرى:
‏لا تظنين أننا خذلناكِ
‏فصاحب الخوذة يبقى أخاكِ
‏نعم، يا دكتورة سعاد...
‏ربما خذلتك السياسة، وربما خذلتك قرارات الحكام، وربما كان ما حدث في تسعينيات القرن الماضي جرحا عميقا في الذاكرة الكويتية والعراقية، لكن الشعوب لم تكن هي التي صنعت تلك القرارات، ولم يكن المواطن العراقي البسيط شريكا في صناعة تلك المأساة.
‏لقد كانت هناك مرحلة مختلفة، كنت فيها قريبة من العراق، وكتب قلمك عن العراق وعن دوره العربي والقومي، وكانت لك مواقف وكلمات بقيت محفوظة في ذاكرة العراقيين. وتشهد المصادر على أن علاقتك بالعراق لم تكن عابرة، وأنك كتبت له في مرحلة سابقة، كما ارتبطت ذاكرتك بالبصرة وشط العرب والعراق منذ سنوات مبكرة.
‏ثم جاءت السياسة بما حملته من قرارات صعبة، وجاءت أحداث عام 1990 لتضع العراقي والكويتي في مواجهة جرح لم يكن من صنعهما.
‏وأنا هنا، ككاتب عراقي، لا أريد أن أبرر خطأ، ولا أن أطلب من شاعرة كبيرة بحجمك أن تنسى ما أصاب وطنها. فالكويت وطنك، ومن حق الإنسان أن يحزن على وطنه وأن يدافع عنه، وقد عبّرت أنت عن ذلك بوضوح في كتابك «هل تسمحون لي أن أحب وطني»، حين شرحت بنفسك كيف كان موقفك من العراق قبل أحداث آب 1990 وكيف تغير بعد ذلك.
‏الدكتوره سعاد الصباح
‏لكنني أريد أن أقول شيئا آخر:
‏العراق ليس قرارا سياسيا، والكويت ليست موقفا سياسيا.
‏العراق شعب، والكويت شعب، وبين الشعبين تاريخ طويل من الجيرة والقرابة والتجارة والثقافة والذكريات.
‏ومن هنا أقول لك: لا تظنين أن العراقيين جميعا كانوا أصحاب ذلك القرار.
‏كان هناك جندي عراقي يرتدي خوذته، يحمل بندقيته، وربما لم يكن يعرف إلى أين تمضي السياسة، ولا لماذا تغيرت اتجاهات البنادق.
‏ذلك الجندي الذي أضع خوذته رمزا في هذه الرسالة لم يكن حاكما، ولم يكن صاحب قرار.
‏كان إنسانا عراقيا.
‏وكان يمكن أن يكون أخا لك، كما كان يمكن أن يكون أخا للكويتي الذي وقف على الجانب الآخر من الحدود.
‏فصاحب الخوذة يبقى أخاك، مهما اختلفت الأوطان ومهما اشتدت العواصف.
‏يا دكتورة سعاد...
‏لقد كتبت يوما للعراق، وكنت ترين فيه بوابة من بوابات المشروع العربي، ثم جاءت الأحداث فأحدثت شرخا في هذه الصورة. وفي كتاباتك بعد الغزو عبّرت بوضوح عن ألمك مما جرى للكويت، وهو موقف مفهوم في سياقه الإنساني والوطني.
‏لكن السنوات علمتنا أن نفرق بين الشعب والحاكم، وبين الوطن والقرار، وبين الجندي والسياسة.
‏ولذلك فإن رسالتي إليك ليست عتابا، وإنما هي محاولة لفتح نافذة صغيرة في جدار الذاكرة.
‏نحن لا نطلب منك أن تنسى الكويت جراحها، ولا نطلب من العراقي أن ينسى ما أصابه من حصار وحروب وفقدان ودمار. نحن فقط نريد أن نمنح الأجيال القادمة فرصة لأن تعيش بعيدا عن أخطاء الماضي.
‏فما ذنب طفل عراقي ولد بعد تلك الأحداث؟
‏وما ذنب طفل كويتي لم يكن قد ولد يومها؟
‏هل نريد أن نورثهما خصومة لم يصنعاها؟
‏أم نريد أن نترك لهما عراقا وكويتا يتبادلان الاحترام، وتبقى بينهما جسور الثقافة والشعر والأدب؟
‏وهنا أتذكر بعضا من روحك الشعرية التي طالما جعلت من الإنسان والوطن والحرية والحب موضوعا للكلمة. ومن الصعب اختصار تجربة شاعرة كبيرة في بضعة أسطر، لكن يكفي أن نتذكر أن من دواوينك «حوار الورد والبنادق» و**«برقيات عاجلة إلى وطني»**، وأن تجربتك الشعرية ارتبطت بقضايا الوطن والمرأة والإنسان.
‏وأنت القائلة في إحدى قصائدك:
‏«لكني خنت قوانين الأنثى
‏واخترت مواجهة الكلمات»
‏وها أنا اليوم أختار مواجهة الكلمات أيضا، ولكن لا بالكلمة التي تزيد الجرح، بل بالكلمة التي تحاول أن تضمده.
‏الدكتورة سعاد...
‏من العراق، أكتب إليك اليوم باعتباري مواطنا وكاتبا عراقيا، لا ممثلا لسياسة ولا مدافعا عن نظام مضى وانتهى.
‏أكتب إليك باسم الإنسان العراقي الذي يريد أن يعيش بسلام مع جاره الكويتي.
‏وباسم الأم العراقية التي لا تريد أن ترى أبناءها في الحروب.
‏وباسم الجندي الذي حمل خوذته ومضى، ولم يكن يملك إلا أن ينفذ ما يؤمر به.
‏وباسم الكلمة التي تستطيع أن تفعل ما لا تستطيع فعله البنادق.
‏إن الخلافات السياسية مهما طال عمرها تنتهي، والحكام يرحلون، والأنظمة تتغير، أما الشعوب فتبقى.
‏ولهذا أقول لك مرة أخرى:
‏لا تظنين أننا خذلناك...
‏فصاحب الخوذة يبقى أخاك.
‏ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله اليوم ليس أن نعيد فتح أبواب الماضي، وإنما أن نفتح أبواب المستقبل.
‏فالكويت جارتنا، والعراق جارها.
‏والخليج امتداد للعراق، والعراق امتداد لعالمه العربي.
‏وقد أثبتت الثقافة العراقية والكويتية أن العلاقات بين المثقفين قادرة على تجاوز كثير من الجراح، وما زالت سعاد الصباح نفسها حاضرة في المشهد الثقافي العربي، حتى إن نقادا وأكاديميين عراقيين احتفوا بتجربتها الشعرية في بغداد في السنوات الأخيرة.
‏لذلك يا دكتورة سعاد...
‏إن كان بيننا اعتذار، فهو اعتذار الإنسان للإنسان، لا اعتذار شعب لشعب.
‏وإن كان بيننا عتاب، فهو عتاب المحب لا عتاب الخصم.
‏وإن كان بيننا جرح، فلنترك للزمن وللكلمة الطيبة مهمة مداواته.
‏فالعراق الذي أحببته يوما ما زال موجودا...
‏والعراقي الذي قرأت له أو التقيت به أو صافحته يوما ما ما زال يحمل لك الاحترام.
‏وقد تكون الخوذة التي ارتبطت في الذاكرة بالحرب، قادرة اليوم على أن تتحول إلى رمز لشيء آخر:
‏خوذة توضع جانبا، وبجانبها غصن زيتون.
‏هكذا نريد أن نتذكر الماضي...
‏لا لكي نعيش فيه، بل لكي لا نكرر أخطاءه.

 


مشاهدات 28
الكاتب إبراهيم المحجوب
أضيف 2026/09/14 - 2:54 PM
آخر تحديث 2026/09/15 - 1:19 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 144 الشهر 24274 الكلي 16556794
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/9/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير