الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
عزلةُ المبدع وصمت الأصدقاء

بواسطة azzaman

عزلةُ المبدع وصمت الأصدقاء

عبد المنعم حمندي

 

في زمن انحطاط القيم، وهبوط المعايير، حين يسيطر الحواة وتتصدر المنابر النفعية وتسود المظاهر السطحية ويزاحَم الفكر الجاد، يتراجع المبدع الحقيقي، ويستوجب الواجب الأخلاقي على أصحاب القلم الرفيع الترفع عن الخوض في الصخب العابر. إن تصدر الأدعياء والمتثاقفين للمشهد ليس دليلاً على متانة ما يقدمونه، بل هو انعكاس لتبدل الذائقة؛ حيث يلهث البعض خلف الاستعراض المباشر والمكاسب السريعة، بينما يظل المبدع الصادق متمسكاً بوقاره، زاهداً في التصفيق، يأنف الخوض في المستنقعات ويرفض الزحام.

إن العزلة في مثل هذه الظروف ليست تقاعساً ولا انسحاباً من الحياة، بل هي موقف وجودي وحماية لأصالة الرسالة؛ إذ إن مجاراة السائد الهابط تذهب بجلال الكلمة وحرمة الإبداع. لقد أثبتت تجارب الأدب أن التأثير الحقيقي لا يُقاس بحجم الضوضاء، بل بعمق الأثر وما يبقى شاخصاً في ذاكرة اللغة بعد أن يزول كل زبد.

لقد اخترتُ البعد وحافظتُ على عزلة شريفة كرامةً للموقف وصوناً للذات، بعد مسيرة امتدت لأكثر من خمسين عاماً من العمل الدؤوب في أروقة الفكر والصحافة والأدب، أسهمتُ خلالها بإنجاز أكثر من عشرين كتاباً شعرياً، ومئات المقالات والبحوث، مستمراً في حراسة الذاكرة الثقافية والإسهام في بنائها.

واليوم، وأنا أسير في العقد الثامن من العمر متكئ على هذا المنجز والتاريخ، أجد نفسي أمام مفارقة صريحة: في الوقت الذي ألقى فيه التقدير والتكريم المعنوي من مؤسسات وهيئات أدبية وثقافية في عواصم عربية ومدن آسيوية وأفريقية، تغيب الرعاية الرسمية في الوطن لصالح الانشغال بالصغائر والمنافع الضيقة. وحتى حين يضطر المرء للتخلي عن جزء من مكتبته الخاصة حفاظاً على استقلاليته وعدم انكساره، يظل هذا الصنيع شاهداً على الترفع، لا على الانكفاء.

غير أن أشدَّ طعناتِ هذا المدى إيلاماً ليست جفاءَ المؤسسات ولا تغافُلَ السلطة، بل هو هذا الصمتُ المريبُ الذي يلوذُ به الأصدقاء، والخرَسُ الذي أصاب سدنة الكلمة وشركاء الحرف  الذين اقتسمنا معهم الخبز والحبر وعمر السهر. كيف استمرأتم طأطأة الرأس ورؤية قاماتكم تُباع كتبُها لتأكل كرامتَها؟ كيف اختنقت في ألسنتكم شهادة الحق وأنتم ترون الرواد يُحاصرون بالصمت والخصاصة بينما يُطبل للرداءة؟ إن انكسار الوطن في مؤسساته مقدورٌ عليه، أما طعنة الرفاق حين يغدون شهودَ زورٍ على احتضار القيمة، فهي الخيانة الكبرى للكلمة. ستزولُ المناصب، وستذرو الرياح كل زبد، لكن تاريخ الأدب لن يرحم صمتَ من كانوا يملكون أن يقولوا «لا» فاستكانوا، تاركين اصدقائهم يواجهون العراء وحدهم، بلا سقفٍ إلا كبرياؤهم، ولا عزاءٍ إلا أنهم لم يبيعوا شرف الموقف.

 

 


مشاهدات 12
الكاتب عبد المنعم حمندي
أضيف 2026/09/15 - 3:22 PM
آخر تحديث 2026/09/16 - 12:17 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 53 الشهر 26212 الكلي 16558732
الوقت الآن
الأربعاء 2026/9/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير