حتى لا تنكسر الأقلام ونخسر المبدعين
عبدالجبار المرسومي
لا يخلو مجال من مجالات الحياة من التنافس في سبيل التميز والارتقاء، ويزداد هذا التنافس ويتفاعل كلما ازداد الاهتمام به رسميًا وشعبيًا، ويبلغ أشدَّه عندما يقترن بمكاسب مادية أو معنوية. ولا شك أن الحوافز المادية ليست عيبًا أو سُبَّة، فقلَّما نجد مبدعًا لا يفكر في الجانب المادي لما يقدمه من جهد وإبداع.
إن دعم مجالات الإبداع وتحفيزها بالحوافز المادية والمعنوية الشريفة يُعد أحد أهم أعمدة التطور في مختلف الميادين. غير أن الاحتراب غير الشريف، والخروج عن الأسس الطبيعية للمنافسة، وعدم توفير المساحات الكافية للجميع، من أخطر العوامل التي قد تحطم الروح المعنوية للمبدع الحقيقي. ويزداد الأمر سوءًا عندما يتصدر أصحاب النفوس المريضة أو أنصاف الموهوبين منصات التكريم والتتويج، فيصبحون تحت الأضواء وقدواتٍ في نظر الجمهور، بينما تضيع على الناس فرصة التعرف إلى المبدعين الحقيقيين.
والغريب، في رأيي المتواضع، أن بعض المجالات التي تُعد حقًا أصيلًا للمجتمع في الاطلاع على نتاجها، تُعامل أحيانًا بمنطق الربح والخسارة. وأرى أن أول هذه المجالات هو قلم الكاتب. فالكتّاب، من شعراء وأدباء وروائيين وكتّاب مقالات وسائر صنوف الكتابة، يمثلون ضمير الأمة وصوت آلامها وآمالها، ويترجمون أحلامها بمدادهم على الورق، وهم سيوف العقول في مواجهة الباطل والظلم.
ومن هنا فإن موهبة الكاتب وفكره تُعد ثروةً قومية ينبغي الحفاظ عليها ورعايتها، وإيجاد المساحات الواسعة لإبرازها ووضعها تحت الأضواء، لا أن نسعى إلى كسر أقلام أصحابها أو تجفيف مدادها وإخماد وهجها.
وقد يبدأ الدعم المنشود، أو لعل أول ما يبدأ به، من تعزيز أواصر التعاون بين الأقلام المبدعة، وإبراز كل حالة تميز، والاحتفاء بكل تكريم تناله شخصية أدبية أو فكرية؛ فتكريم صاحب قلم هو في حقيقته تكريم لجميع الأقلام المخلصة.
ولا يفوتني أن أؤكد أن النقد البنّاء هو أحد أسرار استمرار الإبداع وتطوره، شريطة أن يستند إلى معايير مهنية رصينة ورؤية موضوعية، لا إلى مصالح شخصية ضيقة أو أهواء هدامة.