الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الأب الضعيف لا يفطم أبناءه

بواسطة azzaman

الأب الضعيف لا يفطم أبناءه

عبد الكريم يحيى الزيباري

 

أوربا الأب القوي، يحمي الفقير، ويعينه على الوقوف؛ يفتح أمامه فرص العمل، ويوفر إعانات تضمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة...

الأب الضعيف أ ض: يُنجب أيتامًا ينتظرون ثديه المترهّل، ويزيد اعتمادهم عليه كلّما وسّع القطاع العام ورَفع الأجور وشوّه التعليم وأضعفَ توجه الشباب نحو القطاع الخاص. أض: يهدر المال وأيتامه جَوعى فقراء. أض: يبيع النفط، ويوزع المال. والريع يضعف القطاعات المنتجة، فيما يُعرف اقتصاديًا بالداء الهولندي.

أض: اعتاد أنْ يعالج النتائج ويترك الأسباب. حَوّل الوظيفة إلى غنيمة، ومستقبل أبناء الطبقة السياسية من مسؤولية فردية إلى فاتورة مفتوحة على خزينة الدولة. يهدم وطنًا ليبني قصرًا ويركب موكبًا من عشرين سيارة باذخة.

حياة كريمة

اتساع الفارق بين السعر المدعوم وسعر السوق يفتح أبوابًا للفساد.

أض: ملزم بحياة كريمة للفقراء، وللفقراء وحدهم. ولدت البطاقة التموينية 1991، زمن الحصار، كان وجودها ضرورياً. لكن تحويل كلفة البطاقة التموينية إلى دعم نقدي مباشر للفقراء أجدى من توزيع الدعم على الغني والفقير معًا.

لعشرات السنين، أعلنَ أصحاب محطات التعبئة، عدم الالتزام بتسعيرة الحكومة. والغرامة مئة وخمسين ألف دينار، وحين يتجاوز الربح مقدار الغرامة، تصبح الغرامة جزءًا من الكلفة. نرفع عقوبة المهرب، لكننا لا نسأل لماذا يهرب.

نلاحق المرتشي، ولا نسأل كيف صُمِّم النظام الذي جعل الرشوة عادة يومية؟ نعلن مكافحة الفساد، ونبدأ من أسفل الهَرَم الوظيفي. ولا نزيل التشوهات القانونية التي تنتج جزءًا من هذا الفساد؟ نشتكي من البطالة المُقنّعة، ولدينا أكبر عدد من الموظفين في دول العالم كلها، ثم نعلن عن تعيينات جديدة؟ نشتكي من تضخم الموازنة، ونضيف التزامات جديدة. نشتكي من ضعف القطاع الخاص، ثم نتركه بيد الدولة العميقة! إنها دائرة مغلقة، ولن تُكسر بخطاب سياسي!

في كردستان آلاف الأفران، لا تستلم قطرة نفط أبيض مدعوم ولا غير مدعوم. وتبيع ثماني صمونات بألف دينار وأربع قطع من الخبز بألف دينار، وتحقق ربحًا رغم الإيجار والضمان الاجتماعي والضريبة وثمن الكهرباء الغالي والماء وتجدد الإجازات كل عام.

للأب الضعيف مئات آلاف الأفران، لكل فرن ثلاثة آلاف لتر شهرياً، ثلاثة ملايين دينار شهريًا. وكل فرن يبني تنورًا صغيرًا من الطين، ويستلم ثلاثة آلاف لتر أخرى، ستة ملايين دينار شهريًا. ونسمع عن مدير سابقٍ لديه مئة فرن وهمي، وكلما حاولنا، صرخَ في وجوهنا: لن أسمحَ لأحدٍ أن يلمسَ قوت الشعب! وذهب المدير وبقي قوت الشعب اليتيم!

عمليات فساد

في القرى والأرياف حيث يشتري صاحب الأفران عِدّة أكياس من الخبز ويضعها للبيع، فيها خبز وصمون كأنتيكات قديمة تنتظر لجنة الكشف لا الزبائن. لكن لو مدّ يده داخل الفرن، لوجده بارداً لم يشتعل أبدًا. وأحيانًا لن تستدل على الفرن مهما حاولت. وكذلك الأمر بالنسبة للمولدات وسيارات الحمل الكبيرة... وأكبر عمليات الفساد وراء الدعم الحكومي للأسعار!!

وهكذا يصبح النفط هو الوسيط بين الدولة والمجتمع، وتصبح الموازنة السنوية أشبه بعملية إعادة توزيع للثروة النفطية، لا خطة لبناء اقتصاد قادر على إنتاج الثروة. والسؤال الذي يجب أن نطرحه بجرأة هو: إلى متى؟ إلى متى يبقى التعيين الحكومي هو الحلم الاقتصادي الأول لملايين الشباب؟ إلى متى تبقى الدولة مطالبة بأن تؤمّن وظيفة لكل من يدخل سوق العمل؟ إلى متى تستمر الرواتب والتقاعدات والمخصصات في التوسع، فيما القطاع الخاص الحقيقي ما زال عاجزاً عن منافسة الدولة؟ إلى متى تثقل الوزارات كاهل المشاريع الصغيرة والكبيرة، بضرائب ورسوم وتعقيدات تتضاعف كل عام؟

أض: بحاجة نقلة من اقتصاد الإعالة والدعم إلى اقتصاد الإنتاج؛ يدعم الفقير، ويفتح أمامه فرص العمل. عندها يبدأ الفطام.


مشاهدات 48
الكاتب عبد الكريم يحيى الزيباري
أضيف 2026/09/15 - 3:54 PM
آخر تحديث 2026/09/16 - 12:39 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 56 الشهر 26215 الكلي 16558735
الوقت الآن
الأربعاء 2026/9/16 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير