الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
الشاعر المبدع أحمد خلف الشويخي.. ينعت شياه همومه


الشاعر المبدع أحمد خلف الشويخي.. ينعت شياه همومه

نايف عبوش

 

لمجرد أن نذكر الراعي، تستحضر الذاكرة، صورة ذلك الرجل الذي يمضي في الفلاة، يتتبع خطى أغنامه، ويسوقها من مرعى إلى مرعى، حريصًا على ألا تتفرق شياهُه، أو تضل طريقها. فالرعي يقوم على اليقظة، والملاحقة، والحفظ، وعلى معرفة مسالك الأرض،ومواطن الماء، والكلأ.

لكن الشاعر المبدع أبو فرحة أحمد خلف الشويخي يأخذنا في عتابته إلى صورة أخرى للراعي، صورة لا يرعى فيها الراعي الأغنام، بقدر ما يرعى ما أثقل قلبه من هموم، ولا يسوق شياهًا في فضاء الجزيرة، وإنما يسرح بأفكاره، في فضاء داخلي ،لا تحده حدود،إذ يقول :

مثل راعي بجزيرة ونعتلهن

شجي وبهمومي سارح وانعتلهن

شياه الفكر مدن ونعتلهن

ضوامي وروحن گبل العيال..

فهو منذ الشطر الأول، يضعنا أمام مشهد مألوف من حياة الريف، والبادية، راعي في جزيرة يرعى أغنامه ،وينعتلهن. غير أن الصورة لا تلبث أن تنقلب من المشهد الخارجي، إلى المشهد الداخلي،فإذا بالراعي نفسه ،ليس راعي أغنام، وإنما إنسان مثقل بالشجن، يسرح بهمومه واوجاعه،كما يسرح الراعي بأغنامه.

وهنا تكمن براعة الشاعر في بناء المفارقة. فالمفردة الشعبية (ونعتلهن) تتكرر، ولكنها في كل مرة تفتح بابًا جديدًا للمعنى. ففي البداية تبدو مرتبطة بالأغنام، ثم تتحول إلى فعل يمارسه الشاعر مع همومه، وأفكاره، حتى تصبح الهموم نفسها، قطيعًا يسوقه معه أينما ذهب.

أما قوله ,(شياه الفكر مدن ونعتلهن), فهو انتقال بالغ الذكاء، من عالم الرعي الحقيقي, إلى عالم الرعي المجازي. فالفكر هنا يصبح شياهًا، والأفكار المتعبة شياهًا ضوامي، والشاعر هو الراعي ،الذي يحاول جمع اغنامه وسوقها، غير أن هذه الشياه ليست في مرعى خارجي،بل إنها في رأسه، وقلبه، وذاكرته.

ولعل أكثر ما يوجع في هذه العتابة قوله (ضوامي وروحن گبل الغياب).فالعطش هنا ليس عطش الأغنام وحدها، وانما عطش المعنى، وعطش النفس، إلى السكينة، وربما عطش القلب إلى فرجة، تنهي هذا الشرود الطويل. ثم تأتي عبارة (گبل الغياب), لتمنح المشهد بعدًا اجتماعيًا ٫وإنسانيًا ,عميقًا. فالأغنام تعود إلى أهلها، بينما تظل هموم الشاعر بلا مأوى، ولا تجد من يعيدها إلى مكانها, أو يطفئ عطشها.

وهكذا يتحول المشهد البسيط،إلى لوحة إنسانية كثيفة، راعٍي، وأغنام، وجزيرة، وعطش، وعودة إلى الغياب، لكن يقف خلف هذه المفردات الشعبية البسيطة،  إنسان يحمل قطيعًا آخر، لا يراه الناس،إنه قطيع الهموم.

إن جمال هذه العتابة لا يكمن في بلاغة توظيف الشعبية فحسب، وإنما في قدرة الشاعر على استثمار البيئة التي يعرفها المتلقي ،وتحويل مفرداتها إلى رموز شعورية. فالجزيرة ليست مجرد مكان للرعي، والراعي ليس مجرد صاحب مهنة الرعي، والشياه ليست مجرد أغنام، إنها جميعًا تتحول إلى مفردات في قاموس النفس لها معانيها.

وإذا كان الراعي التقليدي يخشى أن تتفرق أغنامه، فإن الشاعر، يبدو منشغلًا بأمر آخر ،هو كيف يجمع أفكاره المتناثرة؟ وكيف يضبط قطيع الهموم، الذي لا يهدأ؟ وكيف يجد مرعى آمنًا لفكره، وموردًا يروي عطش روحه؟

وهنا تتجلى خصوصية الشاعر الملهم أحمد خلف الشويخي في التعامل مع نظم العتابة، إذ لا يكتفي بأن يحكي موقفًا، أو يرسم مشهدًا، بل يجعل من المشهد الشعبي مدخلًا إلى التعبير عن تجربة إنسانية أوسع. فهو ينطلق من الجزيرة، ليصل إلى أعماق الإنسان، ومن الأغنام، ليصل إلى الفكر، ومن الرعي ليصل إلى الهموم.

لقد كان الشاعر في الظاهر راعياً ينعت شياهًا، لكنه في الباطن، كان إنسانًا ينعت همومه، يسوقها أمامه، ويحاول أن يضبط تفرقها، وهي لا تكف عن العطش، والشرود.

ولذلك فإن أجمل ما في هذه العتابة، أن الشاعر لم يقل لنا مباشرة(أنا مهموم), وإنما جعلنا نرى همومه وهي تمشي أمامه ,في صورة شياه الفكر.

وهنا، تحديدًا، تكمن شاعرية أحمد خلف الشويخي.

 


مشاهدات 45
الكاتب نايف عبوش
أضيف 2026/08/10 - 3:16 PM
آخر تحديث 2026/08/11 - 11:01 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 571 الشهر 11594 الكلي 16101298
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/8/11 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير