مذكراتُ التفاهمِ... للتنفيذِ لا للحفظِ
محمد خضيرِ الأنباريِ
عندَ قيامِ بعضِ المسؤولينَ بزياراتٍ رسميةٍ إلى دولٍ مختلفة، جرتْ العادةُ على توقيعِ عددٍ منْ مذكراتِ التفاهم، بوصفها إحدى الممارساتِ البروتوكوليةِ المتعارفِ عليها التي تواكبُ تلكَ الزيارات، ويعزى اللجوء إلى مذكراتِ التفاهم، في بعضِ الحالات، إلى إمكانيةِ تنفيذها منْ قبلِ الجهاتِ والمسؤولينَ المخولينَ بذلك، بخلافِ الاتفاقياتِ الدوليةِ التي قدْ تستلزم، بحسبِ الأنظمةِ الدستوريةِ للدولِ المعنية، استكمالَ إجراءاتِ التصديقِ عليها منْ قبلِ السلطاتِ التشريعية.
لمْ تعدْ مذكرات التفاهمِ التي توقعها الوزاراتُ والجهاتُ الرسميةُ مجرد وثائقَ بروتوكوليةٍ تحفظَ في الملفات، أوْ مناسباتٍ لتبادلِ التوقيعاتِ والتقاطِ الصور، وإنما يفترضُ أنْ تكونَ أدوات عملية لفتحِ آفاقِ التعاون، وتحقيقِ المصالحِ المشتركة، وترجمةْ ما تتفقُ عليهِ الدولةُ معَ شركائها إلى برامجَ ومشروعاتٍ ونتائجَ ملموسة.
إنَ توقيعَ مذكراتِ التفاهم، لا ينبغي أنْ يكونَ غاية بحدِ ذاته، بلْ هوَ بداية لمسؤوليةٍ إداريةٍ تقتضي المتابعةَ والتنفيذَ والتقييم، فالدولةُ لا تقاسُ بعددِ مذكراتِ التفاهمِ التي توقعها، وإنما بقدرتها على تحويلِ ما توقعهُ إلى واقعٍ يخدمُ المصلحةَ العامة، ويعززُ علاقاتها الدوليةَ والاقتصاديةَ والتنموية، وإذا كانتْ بعض مذكراتِ التفاهمِ لا تمرُ بالإجراءاتِ البرلمانيةِ المقررةِ للمعاهداتِ الدولية، بحسبِ طبيعتها وأحكام القانون، فإنَ ذلكَ لا ينبغي أنْ يعنيَ غيابها عنْ المتابعةِ أوْ المساءلةِ الإدارية، فعدمُ خضوعِ المذكرةِ لإجراءاتِ التصديقِ البرلمانيِ لا يعفي الجهة التي وقعتها منْ مسؤوليةِ معرفةِ ما أنجزَ بموجبها، وما تعثرَ منها، وأسباب ذلك، وما إذا كانتْ لا تزالُ صالحة، وذات جدوى للدولة.
منْ هنا، فإنَ المعالجةَ الصحيحةَ ، لا تتمثلُ في الحدِ منْ توقيعِ مذكراتِ التفاهم، وإنما في وضعِ حدٍ لمذكراتِ التفاهمِ الشكليةِ التي توقعُ للمجاملةِ الدبلوماسية، أوْ لإظهارِ نشاطٍ مؤقت، أوْ لصناعةِ إنجازٍ إعلاميٍ ينتهي بانتهاءِ مراسمِ التوقيع، فالمذكرةُ التي لا تملكُ جهةً مسؤولةً عنْ تنفيذها، ولا برنامجا زمنيا واضحا، ولا آلية للمتابعةِ والتقييمِ، معرضة؛ لأنْ تتحولَ إلى مجرى ورقةٍ أخرى تضافُ إلى أرشيفِ الوزارة.
لذلك يقتضي، أنْ تبادرَ جميعُ الوزاراتِ والجهاتِ الرسميةِ إلى إعدادِ سجلٍ وطنيٍ شاملٍ ومحدثٍ لمذكراتِ التفاهمِ التي أبرمتها، يتضمنُ موضوع كلِ مذكرة، والجهة المقابلة، وتاريخ التوقيع، ومدتها، وما أنجزَ بموجبها، وتصنيفها بوضوحٍ إلى مذكراتٍ نافذةٍ ومنفذة، ومذكرات نافذةْ وغير منفذة، ومذكرات منتهية، أوْ فقدتْ جدواها، معَ تحديدِ أسبابِ عدمِ التنفيذِ والمسؤولياتِ الإداريةِ المرتبطةِ بالتعثر.
أما بالنسبةِ للمذكراتِ التي لا تزالُ قابلةً للتنفيذ، ينبغي وضعُ خططٍ زمنيةٍ محددةٍ لتحويلها إلى إجراءاتٍ وبرامجَ عملية، وتحديدِ الجهاتِ والأشخاصِ المسؤولينَ عنْ المتابعة، ورفعِ تقاريرَ دوريةٍ عنْ نسبِ الإنجاز، فضلاً عنْ التواصلِ معَ الجهاتِ الأجنبيةِ الموقعةِ لإطلاعها بوضوحٍ على مراحلِ التنفيذِ والعقباتِ التي تواجهها.
إنَ الدولةَ الدستورية، ليستْ التي توقعُ أكبر عدد منْ مذكراتِ التفاهم، وإنما الدولة التي تحسنُ اختيارَ ما توقعه، وتحسنَ متابعةْ ما توقعه، وتنفذُ ما يستحقُ التنفيذ منه، لذلك، فإنَ معيارَ النجاحِ الحقيقيِ ليسَ عدد مراسمِ التوقيع، ولا عدد الوثائقِ المحفوظةِ في الأرشيف، وإنما عدد الاتفاقاتِ التي تحولتْ إلى مشروعاتٍ ونتائجَ وفوائدَ حقيقيةٍ للمواطنِ والدولة.
ليسَ التوقيعُ نهايةَ مذكرةِ التفاهم؛ بلْ هوَ بدايةْ المسؤوليةِ عنها، وما لمْ تنتقلْ المذكرةُ منْ طاولةِ التوقيعِ إلى خطةِ عمل، منْ خطةِ العملِ إلى التنفيذ، ومنْ التنفيذِ إلى نتائجَ قابلةٍ للقياس، فإنها ستبقى مجرد وثيقةٍ محفوظة، بينما المطلوبُ أنْ تكونَ أداة فاعلة لصناعةِ الإنجاز.