ما بين حميدتي والبرهان... أين تتجه بوصلة السودان؟
مهند محمود شوقي
في اليوم الذي بدأت فيه الخرطوم مشاورات أولية للبحث عن حوار وطني يعيد السودانيين إلى طاولة واحدة، كانت الحرب ترسم على الأرض صورة مختلفة للسودان. ففي كردفان تتصاعد المعارك، وفي الأبيض والدلنج ومناطق أخرى يدفع المدنيون ثمن القتال، فيما تتدفق موجات جديدة من النازحين إلى المدن التي يفترض أن تكون ملاذًا آمنًا. وخلال الأسابيع الأخيرة وحدها، استقبلت الأبيض آلاف العائلات الفارة من مناطق القتال، فيما تجاوز عدد النازحين داخل السودان تسعة ملايين، في واحدة من أكبر أزمات النزوح في العالم.
هذه المفارقة تختصر المشهد السوداني: في الخرطوم حديث عن الحوار، وفي مناطق الحرب بحث عن النجاة.
قبل أسابيع، تحدث قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان عن حوار تتولاه آلية وطنية مستقلة، فيما بدأت مشاورات سياسية ومجتمعية تمهيدًا لحوار وطني. لكن المسار السياسي يتحرك في وقت لا تزال فيه الجبهات مفتوحة، وهو ما يجعل السؤال الحقيقي أكبر من قدرة مبادرة جديدة على جمع القوى السودانية حول طاولة واحدة: أي سودان سيجلس إلى هذه الطاولة؟
فالحرب التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023 بين الجيش بقيادة البرهان وقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، حميدتي، لم تعد مجرد صراع على السلطة بين رجلين. لقد تحولت إلى صراع على الجغرافيا والموارد وممرات الحركة ومراكز النفوذ، حتى أصبح التحكم في الأرض جزءًا من معادلة القوة السياسية. وبحسب تقديرات بحثية حديثة، أصبح السودان منقسمًا فعليًا بين جيش يسيطر على الخرطوم والشرق وأجزاء واسعة من الوسط، وقوات الدعم السريع التي تسيطر على معظم دارفور وتملك نفوذًا في أجزاء من كردفان، مع بقاء مناطق أخرى تحت تأثير حركات مسلحة وقوى محلية.
استعادة الجيش للخرطوم كانت نقطة تحول مهمة. فالعاصمة ليست مجرد مدينة؛ إنها مركز مؤسسات الحكومة والرمزية السياسية للدولة. كما أن سيطرة الجيش على الشرق تمنحه الوصول إلى البحر الأحمر والموانئ والطرق التي تربط الساحل بالداخل، وتوفر له قاعدة جغرافية واقتصادية يصعب تجاهلها. لكن استعادة العاصمة عسكريًا لا تعني بالضرورة استعادة الدولة لوظائفها كاملة. فالخرطوم خرجت من الحرب مدمرة، والخدمات والبنية التحتية لا تزال تعاني آثار القتال، وهو ما يوضح الفارق بين السيطرة على مدينة والقدرة على حكمها.
في المقابل، تملك قوات الدعم السريع نفوذًا واسعًا في معظم دارفور، وهي منطقة تمنحها عمقًا جغرافيًا كبيرًا باتجاه الحدود مع تشاد وليبيا وأفريقيا الوسطى. لكن دارفور نفسها ليست كتلة سياسية متجانسة، والسيطرة العسكرية لا تعني بالضرورة وجود سلطة موحدة على إقليم بهذا الحجم والتنوع. فهناك حركات مسلحة وقوى محلية وحسابات قبلية ومناطق نفوذ متداخلة، ما يجعل مستقبل الإقليم جزءًا من معادلة أوسع من مجرد انتصار عسكري لقوة واحدة.
وبين الخرطوم ودارفور تقع كردفان، وربما هنا تكمن الحلقة الأكثر أهمية في الخريطة الحالية. فهذه المنطقة ليست جبهة إضافية، بل عقدة تصل غرب السودان بوسطه، وتتحكم في طرق الحركة والإمداد بين مناطق النفوذ المتنافسة. ولهذا أصبحت الأبيض والدلنج ومناطق أخرى في كردفان أهدافًا استراتيجية، لا بسبب أهميتها المحلية فقط، وإنما لأن السيطرة عليها يمكن أن تغير قدرة كل طرف على الوصول إلى المناطق التي يسيطر عليها الطرف الآخر. وتشير تقارير حديثة إلى أن القتال حول الأبيض وممرات شمال كردفان تصاعد مع محاولة كل طرف تأمين خطوط الإمداد وقطع خطوط خصمه.
ولهذا يمكن النظر إلى كردفان باعتبارها اختبارًا لاتجاه الحرب. فإذا تمكن الجيش من تثبيت نفوذه فيها، فإنه يعزز الاتصال بين الوسط والغرب ويضيّق المجال أمام تمدد الدعم السريع شرقًا. وإذا تمكنت قوات الدعم السريع من توسيع نفوذها عبرها، فإنها تقترب من مناطق أكثر أهمية للسكان والاقتصاد ومراكز السلطة.
أما الشرق، فلم يعد بعيدًا عن الحرب. فالسودان يطل على البحر الأحمر في موقع يربط أفريقيا بالشرق الأوسط، وتكتسب موانئه وسواحله أهمية استراتيجية للدول المطلة على هذا الممر الحيوي. ولذلك فإن السيطرة على الشرق تمنح الحكومة أكثر من مساحة آمنة؛ إنها تمنحها منفذًا بحريًا وموقعًا يمكن أن يكون جزءًا من أي معادلة إقليمية مقبلة.
وهنا يخرج الصراع السوداني من حدوده الداخلية. فمصر تنظر إلى السودان من زاوية الأمن القومي والحدود والنيل، والسعودية تنظر إلى البحر الأحمر وأمن الملاحة والاستقرار الإقليمي، بينما ترتبط الإمارات بالسودان عبر مصالح اقتصادية وتجارية وشبكات نفوذ إقليمية، في حين أصبحت روسيا معنية بالساحل السوداني ضمن سعيها الأوسع إلى تعزيز حضورها في البحر الأحمر وأفريقيا. وفي المقابل، تحاول الولايات المتحدة وشركاؤها دفع مسار سياسي والحد من تدفق السلاح إلى طرفي الحرب. وتشير تحليلات حديثة إلى أن الحرب السودانية باتت تتقاطع مع تنافس إقليمي على البحر الأحمر والقرن الأفريقي، ما يجعل إنهاءها أكثر تعقيدًا من مجرد اتفاق بين طرفي الصراع.
لكن خطورة البعد الخارجي لا تعني أن السودان فقد قدرته على تقرير مستقبله. المشكلة الأساسية تظل داخلية: دولة لم تحسم منذ سقوط عمر البشير العلاقة بين الجيش والسياسة، ولم تتمكن من توحيد السلاح تحت مؤسسة عسكرية واحدة.
عندما أسقط السودانيون البشير عام 2019، بدا أن البلاد أمام فرصة تاريخية للانتقال من حكم الفرد إلى حكم المؤسسات. لكن سقوط رأس النظام لم يسقط البنية العسكرية التي حكمت البلاد لعقود. بقي الجيش لاعبًا رئيسيًا، وبقيت قوات الدعم السريع قوة مسلحة ذات نفوذ واسع، وكان البرهان وحميدتي شريكين في مرحلة ما بعد البشير قبل أن يتحول خلافهما حول السلطة والمرحلة الانتقالية ومستقبل قوات الدعم السريع إلى حرب مفتوحة.
لهذا فإن اختزال الأزمة في الرجلين لا يكفي. فهما يمثلان طرفي الحرب الحالية، لكن خلفهما أزمة دولة: ضعف المؤسسات المدنية، تعدد مراكز القوة، وتراكم السلاح خارج إطار جيش وطني واحد، إلى جانب صراع طويل على السلطة والثروة بين المركز والأقاليم.
والسودان، في الأصل، ليس بلدًا يفتقر إلى الموارد. لديه أراضٍ زراعية واسعة، وثروة حيوانية وذهبية ومائية، وموقع استراتيجي على البحر الأحمر. لكن هذه الموارد التي كان يمكن أن تكون أساسًا للتنمية أصبحت جزءًا من اقتصاد الحرب ومصادر تمويل ونفوذ. ولذلك فإن السؤال لم يعد فقط من يسيطر على المدن، وإنما من يستطيع السيطرة على طرق التجارة والمنافذ والذهب والأراضي الزراعية، ومن يملك القدرة على تحويل هذه السيطرة إلى سلطة قابلة للحكم.
وهنا يظهر الفرق بين السيطرة والحكم.
يمكن لقوة عسكرية أن تدخل مدينة أو تفرض نفوذها على إقليم، لكن الحكم يعني أكثر من ذلك: توفير الأمن، وتشغيل الخدمات، ودفع الرواتب، وإدارة الاقتصاد، وحماية الطرق والموانئ، وفرض القانون، وإقناع السكان بأن السلطة قادرة على تمثيلهم. وهذا هو الاختبار الذي سيواجهه الجيش في المناطق التي استعادها، كما سيواجه قوات الدعم السريع في المناطق التي تسيطر عليها.
ومن هنا، فإن استعادة الخرطوم لا تعني وحدها استعادة السودان، كما أن السيطرة على دارفور لا تعني امتلاك السودان. فالخرطوم مركز الدولة، ودارفور ثقل الغرب، وكردفان منطقة الوصل والحسم، والشرق منفذ استراتيجي، والوسط قاعدة سكانية واقتصادية مهمة، بينما تبقى مناطق جنوب كردفان والنيل الأزرق مرتبطة بتعقيدات محلية وحركات مسلحة لا يمكن تجاوزها في أي تسوية.
الخطر الحقيقي إذن ليس فقط استمرار الحرب، بل أن تتحول مناطق النفوذ التي فرضتها الحرب إلى واقع سياسي دائم. فإذا استقرت خطوط السيطرة، فقد يجد السودان نفسه أمام مراكز قوة متعددة، لكل منها موارده وشبكات نفوذه ومصالحه، وعندها تصبح إعادة بناء دولة واحدة أصعب بكثير من مجرد توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي حوار وطني.
فالحوار الذي يجري في الخرطوم يمكن أن يكون بداية، لكنه لن يصبح حلًا إذا لم يمثل السودان بكل جغرافيته، وإذا لم يشارك فيه أولئك الذين يعيشون في مناطق لا تخضع للسلطة المركزية بصورة كاملة. السودان الذي يحتاج إلى الحوار ليس الخرطوم وحدها، ولا دارفور وحدها، بل بلد أعادت الحرب توزيع مراكز ثقله.
والتسوية التي يحتاجها السودان ليست هدنة بين البرهان وحميدتي فحسب، وإنما اتفاق على شكل الدولة نفسها: جيش واحد، وسلاح واحد، ومؤسسات سياسية شرعية، وعلاقة أكثر توازنًا بين المركز والأقاليم، وتوزيع أكثر عدلًا للسلطة والثروة.
قد تتغير خطوط القتال مرة أخرى، وقد يستعيد الجيش منطقة أو تتقدم قوات الدعم السريع في أخرى، لكن الخطر الأكبر هو أن تنتصر الجغرافيا التي صنعتها الحرب على الدولة التي عرفها السودانيون قبلها.
ففي الخرطوم يملك الجيش مركز الدولة، وفي دارفور تملك قوات الدعم السريع ثقلًا جغرافيًا وعسكريًا، وفي كردفان يتحدد اتصال الغرب بالوسط، وفي الشرق توجد المنافذ الاستراتيجية، وبين هذه المناطق ملايين السودانيين الذين لا يملكون نفوذًا عسكريًا ولا طاولة تفاوض، وإنما يريدون العودة إلى حياة طبيعية داخل بلد واحد.
لهذا لم يعد السؤال الحقيقي: من ينتصر بين حميدتي والبرهان؟
السؤال الأعمق هو: هل يستطيع السودان أن ينتصر على الجغرافيا التي صنعتها الحرب؟
فإذا انتهت الحرب من دون إعادة بناء الدولة، قد يتوقف الرصاص بينما تبقى البلاد مقسمة بالنفوذ. أما إذا تحولت التسوية إلى مشروع لإعادة وصل الخرطوم بدارفور وكردفان والشرق والوسط وبقية الأقاليم، فقد تصبح نهاية الحرب بداية لإعادة تعريف الدولة السودانية على أسس أكثر توازنًا. ، لم تعد القضية اليوم حول من يحكم الخرطوم، ولا من يسيطر على دارفور، ولا من يكسب كردفان. القضية هي ما إذا كان السودان سيبقى دولة واحدة، أم تتحول سنوات الحرب إلى خريطة سياسية جديدة يصعب بعدها جمع ما تفرق.
ما بين حميدتي والبرهان... أين تتجه بوصلة السودان؟