الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
ما الذي فعله 2003 بالعراق؟

بواسطة azzaman

ما الذي فعله 2003 بالعراق؟

محمد كاظم الفاضلي

 

ثمة تواريخ لا تنتهي بانتهاء أيامها، بل تظل حاضرة في وعي الشعوب، تعيد تشكيل أسئلتها عن الدولة والهوية والسلطة والمستقبل. وفي التاريخ العراقي الحديث، يصعب العثور على تاريخ أكثر قدرة على أداء هذا الدور من عام 2003.

لم يكن هذا التاريخ مجرد تغيير لنظام سياسي. ولم يكن سقوط النظام السابق حدثاً سياسياً عابراً يمكن وضعه بين قوسين ثم الانتقال إلى ما بعده. لقد كان، بكل ما حمله من حرب واحتلال وانهيار لمؤسسات الدولة وإعادة بناء للنظام السياسي، قطيعة عميقة مع الاستمرارية التاريخية للعراق.

ففي ذلك العام لم يتغير الحاكم وحده، بل تغيرت قواعد اللعبة كلها.

انهارت الدولة التي عرفها العراقيون لعقود، وتفككت مؤسساتها، وأعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والجماعة، وبين المواطن والوطن. وتغيرت، في الوقت نفسه، اللغة التي جرى بها تعريف السياسة العراقية من دولة ومؤسسات ومواطنة، إلى مكونات وهويات فرعية ومحاصصة وتوازنات، حتى أصبح السؤال عن «من يمثل من؟» يتقدم أحياناً على السؤال الأهم: من يمثل العراق؟

ولذلك فإن 2003 لا يمكن قراءته باعتباره نهاية مرحلة سياسية وبداية أخرى فقط؛ بل بوصفه لحظة أعادت إنتاج مفهوم العراق نفسه.

لقد مضى أكثر من عقدين على ذلك التاريخ ، تعاقبت الحكومات، وأجريت الانتخابات، وتبدلت التحالفات، وظهرت أجيال لم تعرف العراق قبل 2003 إلا من خلال ذاكرة آبائها. ومع ذلك، ما زال العراق يعيش، بدرجات مختلفة، منطلقاً من تلك اللحظة.

فكثير من أسئلة الحاضر العراقي تعود إليها بصورة مباشرة أو غير مباشرة: شكل الدولة، طبيعة النظام السياسي، علاقة المركز بالأطراف، معنى المواطنة، موقع الهوية الوطنية، علاقة الدين بالسياسة، مفهوم السيادة، وحتى صورة العراقي عن نفسه وعن دولته.

وهنا تكمن المفارقة.

لقد حاول العراق أن يبدأ بعد 2003، لكنه لم يكن قادراً على أن يبدأ من الصفر. فالتاريخ لا يسمح للشعوب بمثل هذه الرفاهية. العراق الذي دخل إلى عام 2003 كان يحمل قرناً كاملاً من الدولة والذاكرة والحروب والانقلابات والثقافة السياسية والمؤسسات والمجتمع. والعراق الذي خرج من 2003 حمل كل ذلك معه، لكن في صورة مختلفة، وفي ظل صدمة تاريخية كبرى أعادت ترتيب علاقته بماضيه.

المشكلة ليست في أن نختلف حول تقييم 2003؛ فالتاريخ سيظل مفتوحاً أمام تعدد القراءات. المشكلة تبدأ عندما نحاول تحويله إلى نقطة محو.

فكما لا يمكن اختزال ألمانيا كلها في 1945، لا يمكن اختزال العراق كله في 2003. لكن في الوقت نفسه، لا يمكن فهم العراق الراهن من دون فهم ما فعله 2003 بالعراق السابق عليه.

وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً: هل استطاع العراق، بعد 2003، أن يستعيد استمراريته التاريخية؟

الاستمرارية لا تعني عودة النظام السابق، ولا تعني تبرئة الماضي، ولا رفض التغيير. الاستمرارية التاريخية تعني أن يشعر المجتمع بأن الدولة التي يعيش فيها اليوم هي، رغم التحولات والانقطاعات، امتداد للعراق الذي سبقه؛ وأن المؤسسات لا تبدأ مع كل نظام من نقطة الصفر؛ وأن الوطنية ليست مشروعاً جديداً يُبنى فوق أنقاض الذاكرة، بل معنى متراكم عبر أجيال.

لقد كان من الممكن أن يكون 2003 نهاية نظام وبداية دولة أكثر رسوخاً. لكن المأساة أن سقوط النظام تزامن مع اهتزاز مفهوم الدولة نفسه. ومن هنا نشأت قطيعة مزدوجة: قطيعة سياسية مع النظام السابق، وقطيعة مؤسساتية ونفسية مع جزء من تاريخ الدولة العراقية.

واليوم، بعد أكثر من عشرين عاماً، لم يعد السؤال العراقي الحقيقي: ماذا حدث في 2003؟

ذلك السؤال أصبح جزءاً من التاريخ.

السؤال الأهم هو: ماذا فعل 2003 بنا؟

ماذا فعل بصورة العراقي عن الدولة؟ ماذا فعل بذاكرته الوطنية؟ ماذا فعل بفكرة المواطنة؟ وماذا فعل بإحساسه بأن العراق تاريخ متصل، وليس مجرد مساحة تتغير فيها أنظمة الحكم؟

ربما يكون العراق اليوم بحاجة إلى مصالحة مع تاريخه أكثر من حاجته إلى انتصار رواية تاريخية على أخرى. فالأمم الناضجة لا تختار من تاريخها ما يناسبها فقط، ولا تدفن ما يؤلمها، ولا تحول الماضي إلى سلاح دائم في معارك الحاضر.

إن العراق لا يستطيع أن يمحو 2003، كما لا يستطيع أن يعيش أسيراً له.

فالقطيعة التاريخية تصبح أكثر خطورة حين تتحول من حدث وقع في الماضي إلى طريقة دائمة في النظر إلى الحاضر.

وبعد أكثر من عشرين عاماً على ذلك اليوم، ربما آن للعراقيين أن يطرحوا السؤال الذي يتجاوز 2003 نفسه:

هل نريد أن يبقى العراق يعيش انطلاقاً من 2003، أم نريد أن يبدأ العراق، أخيراً، في صناعة تاريخه انطلاقاً من نفسه؟


مشاهدات 36
الكاتب محمد كاظم الفاضلي
أضيف 2026/08/30 - 1:32 PM
آخر تحديث 2026/08/31 - 4:31 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 377 الشهر 41419 الكلي 16131123
الوقت الآن
الإثنين 2026/8/31 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير