الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
اليوم التالي للإعتقال.. صفتان وروايتان

بواسطة azzaman

اليوم التالي للإعتقال.. صفتان وروايتان

كاظم نزار الركابي

 

قبل الفجر بقليل، وصلت من بغداد قوةٌ خاصة مرتبطة بجهاز مكافحة الإرهاب إلى منزل في ناحية الفضليّة جنوب الناصرية. دخل الرجال في صمت الليل، واقتادوا مسؤولًا أمنيًا يحمل في شخصه صفتين متداخلتين: مسؤول وحدة استطلاع في حركة مسلحة، ومدير استخبارات عمليات حزام بغداد في هيئة الحشد الشعبي. نُقل الرجل إلى العاصمة بموجب أمر قضائي، وبدت الدولة في تلك الساعة كأنها استعادت المسافة التي تفصل المؤسسة عن الفصيل.

بعد ثمانٍ وأربعين ساعة، أعلنت هيئة الحشد الشعبي أن القضاء ردّ الاتهامات، وألغى القضايا والإجراءات، وبرّأ الرجل بصورة كاملة.

في يومين، لم يتغيّر موقع الرجل وحده؛ تغيّرت رواية الدولة عنه. أُخذ بوصفه متهمًا استند توقيفه إلى أمر قضائي، وعاد بوصفه بريئًا أُغلقت ملفاته كلها. بقيت المسافة بين الصورتين بلا تفسير مؤسسي يكفي لإقناع العراقيين بأن القانون وحده قطعها.

العتبة التي حجبت الواقعة

تتجه الأنظار إلى الثلاثين من أيلول. صار الموعد عتبةً تفصل، في الخطاب السياسي، بين سلاح يدخل الدولة وسلاح يبقى خارجها. حوله تدور تصريحات الحكومة، وحسابات الفصائل، وضغوط العواصم، ومقالات المحللين. ينتظر الجميع يومًا يُسأل فيه من سلّم ومن رفض، ومن قبل مرجعية المؤسسة ومن احتفظ بمرجعيته الخاصة.

واقعة ذي قار طرحت سؤالًا أكثر إزعاجًا: ماذا لو سبق الاختبارُ موعدَه؟

الرجل الذي اعتُقل لم يكن قائدًا فصائليًا يقف بكامل جسده خارج الدولة، ولم يكن ضابطًا رسميًا تنتهي طاعته عند حدود المؤسسة. كان يحمل الصفتين معًا. صفته الأولى تمنحه موقعًا داخل البنية الرسمية، وصفته الثانية تربطه ببنية تملك قرارها وسلاحها وعلاقاتها الخاصة. وحين تحركت القوة لاعتقاله، لم تقبض الدولة على خارجٍ عنها؛ قبضت على المنطقة التي اختلط فيها داخلُها بخارجها.

هنا تغدو المهلة صنمًا زمنيًا يحجب السؤال الأصعب. تسليم السلاح في يوم محدد لا يحلّ ازدواج الولاية: أن يبقى الرجل الواحد يحمل رتبتين، ويتلقى شرعيته من مؤسستين، ويقف عند الضرورة أمام سلطتين. السلاح لا يكون خارج الدولة حين يُخفى في مخزن فقط؛ يكون خارجها أيضًا حين يدخل مؤسساتها محتفظًا بقيادته القديمة.

الدولة لا تبدأ بجمع البنادق. تبدأ بتوحيد جهة الأمر.

في الأسبوع نفسه، أعلنت وزارة الداخلية إنشاء بنك معلومات يضم نحو ستة ملايين قطعة سلاح، وإغلاق واحدٍ وسبعين مقرًا وهميًا انتحلت صفة الحشد. تُحصي الدولةُ ملايين البنادق، وتعجزُ عن الإمساك برجلٍ واحد ثمانيًا وأربعين ساعة. الإحصاءُ مقدور، وجهةُ الأمر عصيّة.

السيادة المرتدّة

منذ صاغ ماكس فيبر تعريفه الشهير، ارتبطت الدولة الحديثة باحتكار الاستخدام المشروع للقوة داخل حدودها. تجربة العراق تكشف أن امتلاك أداة القسر لا يكفي. القوة الخاصة تستطيع الوصول، والأمر القضائي يستطيع تحريكها، والمداهمة تستطيع إنجاز هدفها؛ ثم يبقى الامتحان في قدرة المؤسسات على حماية الإجراء من لحظته الأولى إلى نهايته.

لا تخسر الدولة حين يبرئ قضاؤها متهمًا. البراءة حق، واستقلال القضاء أحد أعمدة السيادة. تخسر الدولة حين يعجز مواطنوها عن معرفة ما إذا كانت الأدلة انهارت أمام التحقيق، أم أن التحقيق نفسه توقف عند حدود القوة التي يملكها الموقوف. وتخسر أكثر حين يبدأ الخبر بتصريح حكومي عن أمر قضائي، وينتهي ببيان صادر من الجهة التي ينتسب إليها الرجل، بينما تغيب الرواية القضائية المفصلة التي تصل البداية بالنهاية.

من هذه الفجوة تولد السيادة المرتدّة. تتقدم الدولة بقوة القانون، ثم يعود قرارها محمولًا على رواية مؤسسة أخرى. تنفّذ القبض باسمها، وتعجز عن تفسير الإفراج بصوتها. اختلافُ القضاء عن الجهاز التنفيذي هو القانونُ نفسه؛ المشكلة تقع في موضع آخر: العراقي لم يسمع من مؤسساته روايةً واحدة تشرح لماذا كان الاعتقال لازمًا عند الفجر، ولماذا انتهت ضرورته قبل فجرين آخرين.

الدولة التي لا تشرح نهاية فعلها تترك فراغًا. والفراغ في دولة تتعدد فيها مراكز النفوذ لا يبقى فارغًا؛ تملؤه الشائعات، وروايات الغلبة، والاعتقاد بأن لكل أمر قضائي سقفًا سياسيًا لا يستطيع تجاوزه.

الضيف ومرآة العاصمة

في الساعات نفسها التي كانت فيها قضية الرجل تُغلَق، حطّت طائرة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف في بغداد. توجّه فور وصوله إلى نصب قاسم سليماني وأبي مهدي المهندس في الموقع الذي اغتيلا فيه قرب المطار، قبل أن يصل إلى مقار الدولة التي استضافته. ومن هناك تحدث عن “نظام إقليمي جديد”، وعن مقاومة تجاوزت حدود إيران والعراق وصارت عالمية.

كان ترتيب الزيارة رسالةً قائمة بذاتها: الرمز سبق المؤسسة، والمشروع العابر للحدود تقدّم على بروتوكول الدولة.

المصادفة الزمنية لا تصنع علاقةً سببية بين الزيارة والقرار القضائي. تصنع ما هو أبلغ: مرآةً للمشهد. كان الضيف يتحدث في بغداد بيقين مشروعه الإقليمي، فيما كانت بغداد عاجزة عن تقديم اليقين نفسه بشأن مشروعها القانوني. كان يعلن اتساع المقاومة خارج الحدود، وكانت الدولة العراقية تحاول أن تحدد أين تنتهي المؤسسة وأين يبدأ الفصيل.

وفي اللقاءات الرسمية، انشغلت بغداد بطلب مراعاة خصوصية نفطها العابر من مضيق هرمز؛ لغةُ الدولة التي تستأذن لعبور موردها.

الضيف امتلك روايةً مكتملة عن المنطقة. والمضيف لم يمتلك روايةً مكتملة عن معتقل واحد.

اليوم الذي سبق المهلة

حدّ السيادة لم يعد خطًا على الأرض وحده، ولا تاريخًا ينتظر الناس وصوله. صار أيضًا تلك المسافة الضيقة بين أمر القبض وقرار الإفراج، وبين الصفة الرسمية والولاء الموازي، وبين مؤسسة تملك اسم الدولة وقوة تحتفظ باسمها الخاص داخلها.

قبل أيام، من منبر حوار بغداد، طمأن رئيس الوزراء الجميع: القوى السياسية كلها متفقة، ولا نية للتصادم، والحوار ماضٍ بهدوء. الطمأنينةُ الرسمية لا تُلغي ما رآه العراقيون بأعينهم في يومين.

لن يُقاس نجاح الثلاثين من أيلول بعدد الأسلحة التي تنتقل من مخزن إلى آخر، ولا بعدد البيانات التي تعلن الامتثال. سيُقاس بقدرة العراق على إنهاء ازدواج الصفة في الرجل الواحد، والقرار ذي المرجعيتين، والمؤسسة التي تضم داخلها من يستطيع العودة إلى ولائه الآخر حين تتصادم المرجعيتان.

المداهمة لا تصنع دولة، والإفراج لا يهدمها. الدولة تُصنع حين يكون الطريق بينهما واضحًا، محميًا، ومفتوحًا أمام الحقيقة؛ وحين يعرف العراقي لماذا أُخذ الرجل، ولماذا عاد، ومن امتلك القرار بين اللحظتين.

في الساعات الثماني والأربعين، خرج الرجل من دائرة الاتهام.

وبقيت الدولة واقفةً فيها.

 


مشاهدات 67
الكاتب كاظم نزار الركابي
أضيف 2026/08/24 - 4:11 PM
آخر تحديث 2026/08/25 - 1:25 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 124 الشهر 31184 الكلي 16120888
الوقت الآن
الثلاثاء 2026/8/25 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير