حمورابي و المنطقة الخضراء
أحمد فاتح محمد
يجلس حمورابي حزيناً على تلال بابل، يتأمل تلك المسلة التي لم تكن مجرد نصوص طينية، بل كانت الإعلان الأول عن ولادة "فكرة الدولة" في تاريخ البشرية. لم يكن يدرك صاحب أولى مسلات التاريخ أن نصوصه، التي أرادت كبح جماح الفوضى وإرساء العدالة، ستنتهي بعد آلاف السنين لتحبس خلف أسوار خرسانية عالية في بغداد المعاصرة. تلك الأسوار التي تفصل بين سلطة تصنع القوانين لحماية امتيازاتها، وشعب يبحث عن أبسط مقومات الأمان القانوني في العراء. إن هذا المشهد التراجيدي يعيدنا مباشرة إلى جوهر الأطروحة الدستورية والسياسية الكبرى التي تأسست عليها فلسفة القانون الخالص ونظرية الدولة العقلانية، تلك الأطروحة القيمة التي ترى علم القانون كعلم خالص يرفض التسييس، وتؤكد أن القانون ليس مجرد نصوص جامدة تصيغها مراكز القوى المتصارعة، بل هو "النظام القانوني الصافي" المستند إلى شرعية عقلانية، والذي يستمد هيبته وقدسيته العلمية من تجسيده الخالص لـ "فكرة الدولة" المتعالية تماماً على المصالح الطائفية والولاءات الحزبية والقبلية الضيقة. تذهب الفلسفة القانونية الخالصة، في أطروحاتها العميقة عن جوهر القانون والنظرية العامة للدولة، متأثرة بالمدرسة الفقهية النمساوية وبحفاوة فلسفية بالغة، إلى أن الدولة لا يمكن أن تكتسب صفتها القانونية الحقيقية أو تفرض هيبتها المشروعة إلا عندما تذوب إرادات الحكام ونزواتهم الشخصية بالكامل في بوتقة القاعدة القانونية العامة، المجردة، والملزمة للكبير والصغير على حد سواء. لكن حينما نلتفت اليوم صوب المنطقة الخضراء، نجد أننا أمام تشويه بنيوي مروع لهذه الفلسفة. القوانين هناك لا تصاغ لترسيخ "المشروعية" والدولة، بل تهندس بدقة بالغة لشرعنة الانقسام وتوزيع الغنائم وتأمين بقاء النخب الحاكمة في حصونها. لقد انقلب الهرم القانوني الذي طالما تحدثت عنه تلك المدارس. فبدلاً من أن تكون الدستورية هي الحاكمة والموجهة، صارت المصالح السياسية المؤقتة هي التي تملي صياغة النصوص الدستورية وتعديلها وفق مقاسات القوة والنفوذ، مما أفقد القاعدة القانونية طابعها العلمي والعمومي وحولها إلى أداة لترسيخ الفوضى المؤسساتية.
إنها المأساة الفلسفية التي تبرز في كتابات التأمل الإنساني العميق عن مصير الإنسان، مأساة غياب الدولة ككيان حام، وحضورها فقط كجهاز جباية وقمع وإقصاء. إن الأسوار الكونكريتية للمنطقة الخضراء ليست مجرد حواجز أمنية لحماية الشخوص، بل هي حواجز فكرية تمنع وصول أنين الشارع إلى مسامع المشرعين، وتمنع بالوقت ذاته نفاذ العدالة الحقيقية إلى الخارج. يقف المواطن اليوم أمام مشهد دستوري ممسوخ، يبحث فيه عن دولة القانون و الحق التي بشر بها فلاسفة العقد الاجتماعي، فلا يجد سوى قوانين مفصلة لحماية نفوذ الطوائف، وقرارات تتخذ خلف الأبواب المغلقة لتكريس المحاصصة وتوزيع موارد البلاد، في غياب تام للمفهوم العلمي للدولة التي طالما نادى بها المنظرون الكبار. لو قدر للشارع الأول في مسلات التاريخ أن يجتاز تلك البوابات المدججة بالسلاح، لوجد نفسه غريباً في بلد يدعي الانتساب لإرثه القانوني العظيم. سيكتشف بفزع أن القوانين الإلهية والوضعية التي أراد بها حماية الضعيف من بطش القوي وتجبره قد تم تحريفها بمرور الزمن لتصبح مجرد وسيلة نظامية لحماية القوي الفاسد من محاسبة المواطن الضعيف والمحروم. إن الفكر الدستوري ينذرنا دوماً بأن تفتيت هيبة القانون وتحويله إلى رغبات لخدمة الهويات الفرعية والمكونات الطائفية هو بمثابة رصاصة الرحمة التي تطلق غدراً على "فكرة الدولة" القانونية ذاتها، وهو المسار التدميري الذي يعيد المجتمع قسراً إلى "حالة الطبيعة" البدائية الأولى، حيث تسود شريعة الغاب، ويصبح البقاء للأقوى نفوذاً وسلاحاً، وحيث يغيب بالكامل العقد الاجتماعي الحقيقي والمنصف الذي يضمن صيانة حقوق وكرامة جميع المواطنين بالتساوي ودون تمييز.
وفي نهاية المطاف تبدو تلك الآثار شاهدة بصمت وحزن على تراجع الوعي الدستوري والقانوني اليوم. إن إعادة الاعتبار للقانون العام والخاص لا تبدأ من كتابة نصوص جديدة، بل من هدم الجدران الفكرية والنفسية التي تحبس القانون في زوايا المصالح الضيقة داخل المنطقة الخضراء. إنها دعوة لاستعادة فلسفة القانون الحقيقية، تلك التي ترى في الدولة حارساً للعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية، وليس مجرد غنيمة تتقاسمها الأطراف. وبغير ذلك، ستبقى القوانين مجرد حبر على ورق، وسيبقى واضع المسلة منفياً خارج بغداد، يبكي دولة القانون التي تلاشت في زحام الصراعات والمغانم السياسية خلف الحواجز الخرسانية الصماء.