2 آب 1990 .. قرار غيّر وجه المنطقة
حسين علي الحمداني
ليست كل الحروب تبدأ بإطلاق رصاصة، فبعضها يبدأ بقرار سياسي واحد يغيّر مصير أمة بأكملها. وهكذا كان الثاني من آب/أغسطس 1990؛ يومٌ لم يبدّل العلاقة بين العراق والكويت فحسب، بل أعاد رسم توازنات الشرق الأوسط لعقود تالية. فما بدا آنذاك حلاً سريعاً لأزمة سياسية واقتصادية، تحول مع مرور الزمن إلى واحدة من أكثر المحطات تأثيراً في التاريخ العربي الحديث، بعدما امتدت تداعياته إلى العراق والمنطقة، وحتى إلى مسار القضية الفلسطينية.
حرب الخليج
كان العراق الخاسر الأكبر في تلك المغامرة. فبعد ثماني سنوات من الحرب مع إيران، دخل في مواجهة تحالف دولي واسع قادته الولايات المتحدة. وأسفرت حرب الخليج عام 1991 عن تدمير أجزاء مهمة من البنية التحتية، ثم جاءت سنوات العقوبات الدولية الطويلة لتضاعف معاناة المجتمع العراقي. تراجعت قيمة الدينار، واتسعت دائرة الفقر، وتضررت قطاعات الصحة والتعليم، وتآكلت الطبقة الوسطى التي كانت تمثل ركيزة الاستقرار الاجتماعي. وعلى الصعيد السياسي، دخل العراق عزلة دولية خانقة، وهي ظروف أسهمت، إلى جانب عوامل أخرى، في تهيئة البيئة التي انتهت بغزو عام 2003 وما أعقبه من انهيار مؤسسات الدولة ودخول البلاد في دوامة طويلة من العنف وعدم الاستقرار.
إقليمياً، أحدث الغزو تحولاً عميقاً في منظومة الأمن الخليجي. فمنذ ذلك التاريخ ترسخ الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وأعيد بناء الترتيبات الأمنية على أساس التحالفات الدولية أكثر من اعتمادها على التوازنات العربية. كما تعرض مفهوم الأمن القومي العربي لانتكاسة واضحة، وتراجعت الثقة بين عدد من الدول العربية، بينما أدى إضعاف العراق إلى اختلال ميزان القوى الإقليمي، وهو ما انعكس على مجمل معادلات الشرق الأوسط خلال العقود اللاحقة.
أما القضية الفلسطينية، فقد كانت من أبرز المتضررين بصورة غير مباشرة. فقد سعى النظام العراقي إلى ربط الانسحاب من الكويت بانسحاب إسرائيل من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو طرح وجد صدى شعبياً في الشارع العربي، لكنه لم يحقق دعماً دولياً، بل زاد من تعقيد الموقف الدبلوماسي للقضية.
مؤتمر مدريد
وبعد انتهاء الحرب، أصبحت الولايات المتحدة الطرف الأكثر تأثيراً في رسم مسار التسوية، فعُقد مؤتمر مدريد عام 1991، ثم جاءت اتفاقيات أوسلو عام 1993 في ظل ميزان قوى جديد فرضته نتائج حرب الخليج، لتتحول القضية الفلسطينية تدريجياً من عنوانٍ للصراع العربي الإسرائيلي إلى ملف تفاوضي تديره موازين القوى الدولية. وبعد خمسة وثلاثين عاماً، تبدو حصيلة ذلك القرار أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فلم تُحل أزمات الديون أو النفط، ولم يخرج العراق أكثر قوة، بل وجد نفسه أمام خسائر بشرية واقتصادية وسياسية هائلة، بينما دخل الإقليم مرحلة جديدة من التحولات الاستراتيجية ما تزال آثارها مستمرة حتى اليوم.
لقد أثبتت تجربة الثاني من آب أن القرارات المصيرية التي تُبنى على تقديرات خاطئة لموازين القوى لا يدفع ثمنها صانع القرار وحده، بل تتحمل الشعوب والأوطان تبعاتها لأجيال طويلة، وقد تمتد آثارها إلى قضايا عربية كبرى لم تكن طرفاً مباشراً في الصراع.