أضرحة المشاهير.. القبور تتحوّل إلى خرائط للذاكرة الكردية
باسل الخطيب
يقف الفنان الفوتوغرافي ناصح علي خياط بين صفوف شواهد القبور المتآكلة في مقبرة سيوان بمدينة السليمانية، بحثاً عن ضالته المنشودة. ويهرع باقي أعضاء فريق العمل المرافق للمساعدة في تنظيف المكان والتأكد من هوية صاحب القبر المقصود قبل توثيقه صورياً وتسجيل إحداثياته بدقة، وتحديد مدى حاجته للترميم، في خطوة تسعى إلى ترسيخ ثقافة الاعتراف بالأثر الذي تركته شخصيات أثرت الحياة الكردية في مجالات متعددة.
ويتكرر هذا المشهد يومياً في إطار مشروع رائد تبنّته منظمة المجتمع المدني CDO)) في السليمانية، بعنوان «أضرحة المشاهير»، بهدف تحويل قبور الشخصيات الكردية البارزة في كردستان والعراق والعالم، من مواقع منسية ومتداولة شفهياً، إلى شواهد تاريخية تختزن سيرة شعب وتحولاته. وإعداد دليل متكامل عنها وإصداره في سلسلة كتب ومنصة رقمية تفاعلية يمكن للجميع الوصول إليها بنقرة واحدة.
ذاكرة وهوية
ولا يُعدّ غياب التوثيق «ترفاً ثقافياً قابلاً للتأجيل لاسيما في المجتمعات التي عانت من التشتت الجغرافي والقمع السياسي حيث تجد ذاكرتها الجمعية أكثر هشاشةً من سواها»، بحسب رئيس المنظمة، بختيار أحمد، الذي يرى أن كثيراً من الشخصيات التي أسهمت في صياغة الوعي السياسي والثقافي والديني والفني الكردي «غابت قبورها عن الخرائط الرسمية وبقيت مواقعها معروفة على نطاق ضيق أو متداولة شفهياً بل وربما اندثرت لاسيما في المنافي وبلاد الغربة».
ويُشاطره الرأي الباحث في مركز كردستان للتوثيق والدراسات بجامعة السليمانية ياسين طه إذ يرى أن المشروع «ينطوي على أهمية مؤسسية في حماية الذاكرة الكردية العامة لأن ذاكرة الشعوب المتشتتة سياسياً وجغرافياً تصبح عرضة للضياع»، مؤكداً على أهمية «التوثيق كضرورة ثقافية لا تقل أهمية عن كتابة التاريخ نفسه».
ويوضح رئيس منظمة المجتمع المدني، أن العمل في المشروع «لا يقتصر على التعرف إلى قبور المشاهير فحسب بل يشمل أيضاً توثيقها بصور حديثة عالية الجودة وتحديد موقعها الجغرافي بدقة باستخدام نظام تحديد الموقع العالمي (GPS)وربط الإحداثيات بخرائط Google»، ويواصل أن الفريق «يعمل أيضاً على إنشاء رمز QR يتيح للزائر الوصول الفوري إلى سيرة مختصرة عن كل شخصية مشمولة بالمشروع وموقع القبر عبر الهاتف المحمول ليتحوّل شاهد القبر إلى بوابة رقمية تفتح نافذة على حياة صاحبه». ومما يميز المشروع، يضيف بختيار أحمد، كونه «لا يتوقف عند حدود الكتاب الورقي فإلى جانب الإصدار التوثيقي، يجري العمل على بناء منصة رقمية تفاعلية تُعد نواةً لأرشيف متكامل»، ويشرح أن المشروع يتضمن «بناء قاعدة بيانات موحّدة لسِيَر مشاهير الكرد يمكن تطويرها لاحقاً لتشمل أعمالهم ومخطوطاتهم وصورهم وأرشيفهم الشخصي لتصبح موسوعة معرفية رقمية مفتوحة».ويستطرد أن المشروع «يُنفَّذ على ثلاث مراحل تنطلق الأولى من مدينة السليمانية بتوثيق 115 شخصية كردية بارزة في مجالات السياسة والدين والتربية والفن والشعر والعمل العام على أن تشمل المرحلتان الثانية والثالثة العراق والعالم وعموم كردستان مع تصنيف الشخصيات بحسب مجالاتها وحقبها الزمنية»، ويذكر أن من بين من «جرى توثيقهم حتى الآن الشيخ معروف النودهي، الشيخ محمود الحفيد، الشيخ كاك أحمد، الشاعر بيرمرد، فايق بيكس والد الشاعر شيركو بيكس، توفيق وهبي، د. كمال مظهر، كريم كابان، مستورة أردلان والمطربة مرزية».ويعرب أحمد عن أمله بأن «يتم إنجاز المرحلة الأولى وإصدار أول كتب موسوعة الأضرحة قبل نهاية عام 2026 الجاري»، ويشير إلى أن المنظمة «نسّقت بالفعل مع وزارة الثقافة الكردستانية ونقابة الفنانين والجامعات والمراكز البحثية لضمان دقة التوثيق واتساع أثره».
•التعريف بالدور الكردي في المنفى
لكن الذاكرة الكردية لا تقف عند حدود الجغرافيا، فالمرحلتان الثانية والثالثة من المشروع ستنتقلان إلى توثيق قبور الشخصيات الكردية التي دُفنت في مدن شكّلت محطات مهمة في تاريخهم، مثل بغداد، البصرة، إسطنبول، دمشق، القاهرة، باريس وغيرها.
وعندها «يكتسب المشروع بعداً رمزياً مضافاً من خلال إعادة رسم خريطة الوجود النوعي الكردي عبر تتبع أثر شخصياته في المنافي والحواضر الكبرى»، كونه «يعيد وصل ما انقطع بين المكان والتاريخ وبين الأجيال الجديدة وسِيَر من سبقوهم»، بحسب رئيس المنظمة.
تحديات وإصرار
وكما هو متوقَّع، فإن عملية التوثيق «لا تخلو من صعوبات وتحديات»، بحسب مديرة المشروع، روز محمد، التي تقول إن بعض القبور «تعرّض للإهمال وأخرى تغيّرت معالمها أو تضررت شواهدها بل أن بعضها اندثر وضاع أثره لاسيما في المنافي وبلاد الغربةً»، وتضيف أن التحقق من دقة المعلومات الخاصة بقبور المشاهير «يتطلب مراجعة مصادر متعددة ومقارنة الروايات الشفهية بالوثائق المكتوبة».
لكن الفريق، تستدرك محمد، «يرى في تلك الصعوبات والتحديات جزءاً من مسؤولية العمل التوثيقي خاصة في ظل غياب قاعدة بيانات رسمية موحّدة بهذا الشأن»، وتبين أن المشروع «لا يسعى إلى إعداد فهرس للقبور فقط بل أيضاً إلى ترسيخ ثقافة الاعتراف بالأثر الذي تركته تلك الشخصيات الكردية في مجالات متعددة».
وتؤكد أن المقبرة، من وجهة نظر المنظمة «لا تختزل في نهايتها الفيزيائية بل تتحول إلى نقطة انطلاق لسردية تاريخية أوسع»، مشددة على أن المشروع «يعيد الاعتبار لفكرة أن الذاكرة ليست مجرد نصوص محفوظة في الكتب بل جغرافيا حية يمكن زيارتها وتوثيقها وحمايتها من الاندثار».
ومع انطلاق مراحله اللاحقة لتشمل عموم كردستان وأجزائها الأربعة، فإن المشروع «يمضي نحو تأسيس أرشيف رمزي يعيد وصل ما انقطع بين المكان والتاريخ، وبين الأجيال الجديدة وسِيَر من سبقوهم»، بحسب روز محمد.
•بدوره، يرى د. هردي مهدي ميكة، أستاذ التاريخ في جامعة السليمانية، أن أهمية المشروع «لا تكمن في القبور بوصفها أماكن دفن حسب بل فيما تمثّله من ذاكرة واعتراف وسردية تاريخية»، ويعتبر أن المشروع «يسهم في تثبيت حضور الكرد في الجغرافيا والتاريخ داخل كردستان وخارجها».
ويتابع أنه يشكل «إعادة رسم خريطة رمزية للوجود الكردي من خلال سير شخصيات تركت أثراً في مجالات متعددة»، ويؤكد أن أهمية المشروع تكمن في كونه «يسهم في بناء قاعدة بيانات منظمة وموثّقة لمشاهير الكرد ومواقع قبورهم وسِيَرهم الذاتية التي ظلّت متداولة شفهياً أو مبعثرة في مصادر متفرقة بما يمثل خطوة مؤسسية مهمة في مسار التوثيق الثقافي».
فرسان المشروع
يُذكر أن مهام فريق عمل مشروع «أضرحة المشاهير» تتوزع على النحو الآتي:
1- مدير المشروع: روز محمد.
2- التصوير الفوتوغرافي بإشراف ناصح علي خياط، وبمشاركة زانوير سامي.
3- توثيق المواقع باستخدام تقنية GPS وربطها بخرائط Google، وإنشاء رموز QR، بإشراف رەوەند رێبوار وراوێژ فريا.
4- إعداد الملخصات التعريفية للشخصيات من قبل كامران سبحان، بصياغة توثيقية موجزة تسلط الضوء على أهم مراحل حياتهم وإسهاماتهم.
5- التصميم الفني، وإخراج الكتاب، والتحويل الرقمي للمشروع من قبل آزر محمد.