الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
هل يستغلون الإنسان بالخوارزميات؟

بواسطة azzaman

هل يستغلون الإنسان بالخوارزميات؟

شهاب احمد الفضلي

 

ثمة سؤال يُلحّ على الذهن حين نضع الهاتف جانباً بعد ساعة من التصفح العبثي: من كان يتحكم فيّ للتو؟ وإذا كان هذا السؤال يبدو للوهلة الأولى تساؤلاً عابراً، فإنه في جوهره يمسّ أعمق ما في الإنسان، ذلك الوهم الراسخ بأنه سيد إرادته.

فرويد لم يكن يعلم أنه يكتب دليلاً تشغيلياً لشركات التكنولوجيا. حين صاغ مفهوم اللاوعي، كان يصف تلك الطبقة المظلمة التي تختزن ما لا نستطيع مواجهته، الرغبات المكبوتة والجرح النرجسي الأول حين اكتشف الطفل أنه ليس مركز الكون. هذه الطبقة ظلت لقرون حكراً على التحليل النفسي والفلسفة والدين، لذا بات من الصادم إدراك أنها تحوّلت اليوم إلى أصل استثماري تتنافس عليه الشركات.. الخوارزمية لا تقرأ أفكارك، لكنها تقرأ توقفك. ذلك الجزء من الثانية حين يتباطأ إصبعك قبل أن تكمل التمرير هو الذهب الخام لاقتصاد الانتباه. فيما لو تأملنا ما يكشفه هذا التوقف، لأدركنا أنه يُفصح عمّا لا تقوله، أي يُفصح عن لاوعيك بعينه. هنا يكمن الإبداع الشيطاني لهذه المنصات: إنها لا تعرض عليك ما تطلب، بل تعرض عليك ما تخشى أن تطلب. الخوارزمية تعرفك قبل أن تعرف نفسك، وهذه ليست استعارة بل وصف تقني لآلية عمل حرفية.

الرأسمالية في صورتها الكلاسيكية استعمرت الزمن، ثماني ساعات يومية تتحوّل فيها الطاقة البشرية إلى فائض قيمة. بيد أن ذلك الاستعمار كان مرئياً وبالتالي قابلاً للمقاومة. الرأسمالية الرقمية فعلت ما هو أشد إحكاماً: استعمرت اللاوعي نفسه. حين تتصفح إنستغرام في سريرك ليلاً معتقداً أنك تستريح، فأنت في الحقيقة تعمل من دون أجر، تُنتج بيانات وتبيع انتباهك وتُغذّي أُنموذجاً يصبح في كل لحظة أكثر قدرة على استغلالك. الاستغلال الأمثل هو الذي لا تشعر فيه بالاستغلال، وهذا بالضبط ما أنجزته هذه المنصات بامتياز فلسفي مزعج.

ماركس تحدث عن اغتراب العامل عن نتاج عمله، إلا أن ما يحدث اليوم أعمق من ذلك بمراحل: الإنسان صار غريباً عن تجربته الداخلية ذاتها. جرحك النرجسي القديم، ذلك الشك العميق في أنك لست كافياً، يتحوّل إلى محرك تفاعل، وكل إعجاب هو جرعة دوبامين مُحسوبة لإبقائك في الدائرة لا لإشباعك. المنصات لا تُنتج النرجسية من العدم، بل تكتشف بدقة جراحية أين تقع جروحنا وتضع أصابعها عليها. النتيجة أن الإنسان يُصبح غير قادر على التمييز بين رغبته الحقيقية ورغبة الخوارزمية فيه، وهذا هو الاستعمار الحقيقي، استعمار الداخل لا الخارج.. الوثائق الداخلية لفيسبوك التي كشفتها فرنسيس هوغن أثبتت أن المهندسين كانوا يناقشون صراحةً تعزيز المحتوى المثير للغضب ليس على الرغم من ضرره، بل بسببه. لذا يصبح الضرر النفسي للمستخدم هو الميزانية التشغيلية للمنصة. هذا ليس فشلاً في التصميم، ولكن هو التصميم نفسه، حين يكون الربح المعيار الوحيد للوجود. فما العمل؟ على المستوى الفردي، الوعي ضروري لكنه غير كافٍ، فمعرفة القفص لا تفتح بابه. غير أن الوعي يتيح شيئاً ذا قيمة: الاحتكاك المتعمد، أن تقرر متى تفتح التطبيق لا أن تنفتح له، وأن تلاحظ الفراغ الذي تحاول ملأه قبل اللجوء إلى التمرير. وعلى المستوى الجمعي، بيانات المستخدم يجب أن تُعامَل كملكية شخصية لا كموارد تُستخرج، وإعادة توزيع فائض القيمة الرقمي على منتجيه ليست حلماً طوباوياً بل مقترح اقتصادي يتصاعد جدياً في أروقة السياسة الدولية.. المعركة الحقيقية ليست بين الإنسان والتكنولوجيا، إذ التكنولوجيا مجرد أداة تحمل قيم بنّاتها. المعركة هي بين نموذج يرى في اللاوعي البشري مورداً قابلاً للاستغلال وبين رؤية تعتبر الحياة الداخلية للإنسان مقدسة لا تُباع. وحين تتوقف عن تصوير كل لحظة جميلة لتنشرها، فأنت لا تمارس زهداً رقمياً ساذجاً، بل تُمارس فعل الحرية الأصيل: أن تعيش لحظة لا تراها إلا أنت، في عالم يُحاول أن يحوّل كل ما هو إنساني إلى محتوى قابل للبيع.

 

 


مشاهدات 43
الكاتب شهاب احمد الفضلي
أضيف 2026/08/15 - 1:23 AM
آخر تحديث 2026/08/15 - 2:30 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 183 الشهر 15268 الكلي 16104972
الوقت الآن
السبت 2026/8/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير