الزمان - طبعة العراق - عربية يومية دولية مستقلة
www.Azzaman-Iraq.com
إتفاقية مكة والصامتون.. هل فوجئت واشنطن فعلاً ؟

بواسطة azzaman

إتفاقية مكة والصامتون.. هل فوجئت واشنطن فعلاً ؟

محمد عبد الجبار الشبوط

 

منذ توقيع السعودية وتركيا وباكستان «اتفاقية مكة للدفاع المشترك» في السابع من أغسطس/آب 2026، بدأت ملامح نقاش استراتيجي واسع حول الاتفاقية وما يمكن أن تفضي إليه. فهي ليست مجرد وثيقة تعاون عسكري عادية؛ إذ تنص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث يعد هجومًا على الجميع، وتفتح، وفق التصريحات التي أعقبت توقيعها، الباب أمام انضمام دول أخرى. والأهم أن بعض المسؤولين والمحللين في الدول المؤسسة بدأوا يتحدثون عنها بوصفها نواة محتملة لترتيبات أمنية إقليمية أوسع.

قيمة تاريخية

وقد استوقفني منذ البداية احتمال أن تكون القيمة التاريخية الحقيقية لاتفاقية مكة كامنة لا في بقائها تحالفًا ثلاثيًا، وإنما في إمكان تطويرها تدريجيًا إلى منظومة للأمن الشرق أوسطي المشترك، تتجاوز منطق المحاور المذهبية والسياسية الذي أنهك المنطقة. وقد أصبح هذا الاحتمال أكثر إثارة للاهتمام بعدما أعلنت إيران رسميًا أنها لا ترى الاتفاق موجهًا ضدها، وظهرت داخل النقاش الإيراني نفسه أصوات تدعو إلى التعامل معه باعتباره فرصة لإعادة بناء الأمن الإقليمي.

لكن وسط كثافة التصريحات والتحليلات، يلفت النظر موقف عدد من الدول المهمة التي لم تتحدث بعد بالصراحة التي تتناسب مع حجم الحدث، وفي مقدمتها العراق وسوريا والولايات المتحدة وروسيا. أما مصر، فالأدق ألا نصف موقفها بالصمت، وإنما بالتريث؛ لأنها كانت حاضرة في المشاورات السابقة للاتفاق، ثم غابت عن الصيغة الثلاثية النهائية، وبقي احتمال انضمامها مطروحًا علنًا.

وهنا يصبح الصمت والتريث جزءًا من القصة نفسها.

مصر: التريث أكثر دلالة من الصمت

الحالة المصرية تستحق أن توضع أولًا؛ لأنها تختلف عن الحالات الأخرى. فقد كانت القاهرة جزءًا من المشاورات التي سبقت اتفاقية مكة، وجرى الحديث عن صيغة رباعية تضم السعودية وتركيا وباكستان ومصر، قبل أن تنتهي القمة إلى اتفاق ثلاثي. وبعد التوقيع استمر الحديث، وخصوصًا من الجانب التركي، عن مصر بوصفها واحدة من الدول المرشحة للانضمام.

ولهذا فإن السؤال ليس: لماذا صمتت مصر؟ بل: لماذا شاركت في المسار ولم تدخل حتى الآن في الاتفاق النهائي؟

الجواب المحتمل يرتبط بطبيعة الالتزام نفسه. فمصر قوة إقليمية كبيرة، لكنها تمتلك خريطة تهديدات ومصالح تختلف عن الخرائط السعودية والتركية والباكستانية. أولوياتها تمتد من غزة وسيناء إلى ليبيا والسودان والبحر الأحمر وإثيوبيا وقناة السويس، كما أنها تحتفظ بعلاقات مهمة مع الهند. ومن ثم فإن صيغة تجعل «الهجوم على أحد هجومًا على الجميع» تطرح أمام القاهرة أسئلة لا تتعلق بمبدأ التعاون الدفاعي، وإنما بحدود الالتزام العسكري وبمن يقرر متى وكيف يصبح ذلك الالتزام نافذًا.

ولهذا سيكون الموقف المصري أحد المؤشرات المهمة على مستقبل الاتفاق. فإذا أمكن ابتكار صيغة مرنة تسمح بدرجات مختلفة من العضوية والالتزام، فقد يصبح انضمام مصر أسهل، وقد تفتح عضويتها الباب أمام دول عربية أخرى. أما إذا بقيت العضوية تعني التزامًا عسكريًا آليًا وغير محدد الحدود، فقد تفضل القاهرة البقاء في دائرة التعاون من دون الدخول في النواة الدفاعية الصلبة.

العراق: الصمت الأكثر خطورة

أما الصمت العراقي فهو الأصعب تفسيرًا والأكثر أهمية بالنسبة لنا؛ لأن العراق يقع جغرافيًا وسياسيًا في قلب أي هندسة أمنية جديدة للمنطقة. تركيا على حدوده الشمالية، وإيران على حدوده الشرقية، وسوريا على حدوده الغربية، والخليج إلى الجنوب، فيما ترتبط بغداد بعلاقات استراتيجية متفاوتة مع السعودية والولايات المتحدة وإيران وتركيا.

ومن هنا لا يستطيع العراق النظر إلى اتفاقية مكة باعتبارها شأنًا يخص ثلاث دول بعيدة عنه.

بل إن موقع العراق يجعله مرشحًا طبيعيًا لأن يؤدي أحد دورين متناقضين: إما أن يبقى منطقة تماس بين أنظمة ومحاور أمنية متنافسة، وإما أن يتحول إلى جسر يربط بينها داخل منظومة إقليمية أوسع.

لكن الدخول العراقي في أي نظام للأمن الجماعي يثير فورًا سؤالًا داخليًا لا يمكن الهرب منه: من يملك قرار الحرب والسلم؟ وهل تستطيع الدولة العراقية أن تضمن احتكار السلاح وقرار استخدام القوة، وأن تمنع استخدام أراضيها لضرب دولة أخرى؟

لهذا فإن المشكلة العراقية أعمق من إعلان التأييد أو الرفض لاتفاقية مكة. العراق يحتاج إلى بلورة مفهوم واضح للأمن الوطني قبل أن يحدد موقعه في الأمن الإقليمي. ومع ذلك، فإن الانتظار حتى تكتمل قواعد النظام الجديد سيكون خطأ؛ لأن الدول التي تشارك في تأسيس الأنظمة الإقليمية هي التي تؤثر في قواعدها، أما الدول التي تصل متأخرة فتجد نفسها أمام قواعد كتبها الآخرون.

سوريا: من ساحة للصراع إلى موضوع للأمن المشترك

الصمت السوري يمكن فهمه في سياق مختلف. فسوريا نفسها كانت طوال سنوات واحدة من أبرز ساحات انهيار النظام الأمني الإقليمي. تقاطعت فوق أرضها المصالح التركية والإيرانية والإسرائيلية والأميركية والروسية والعربية، وتحولت مشكلات أمنها الداخلي إلى جزء من صراعات المنطقة.

ولهذا يمكن لسوريا أن تصبح اختبارًا عمليًا لفكرة الأمن المشترك.

فإذا استطاعت القوى الإقليمية الاتفاق على أن وحدة سوريا وسيادتها واستقرارها واحتكار دولتها للسلاح ومنع استخدام أراضيها للاعتداء على جيرانها مصالح مشتركة، فإن ذلك سيكون انتقالًا حقيقيًا من إدارة الصراع السوري إلى إنتاج الأمن السوري والإقليمي.

ولا يشترط هذا أن تصبح سوريا غدًا عضوًا كاملًا في اتفاقية الدفاع المشترك. يمكن أن تبدأ بدائرة أوسع تشمل أمن الحدود ومكافحة الإرهاب والمخدرات وتهريب السلاح والتعاون الاستخباري وإعادة بناء المؤسسات الأمنية للدولة. وهنا تظهر مرة أخرى أهمية تصور الاتفاقية بوصفها نظامًا متعدد الدوائر، لا حلفًا عسكريًا مغلقًا.

ولكن ماذا عن الولايات المتحدة؟

هنا نصل إلى السؤال الأكثر إثارة.

هل من المعقول فعلًا أن تتفق السعودية وتركيا وباكستان على إنشاء التزام دفاعي بهذا الحجم بمعزل عن الولايات المتحدة؟

لا توجد حتى الآن، في المعلومات العلنية المتاحة، أدلة تسمح بالقول إن واشنطن شاركت في صياغة الاتفاق أو وافقت عليه مسبقًا. ومن غير المنهجي أن نحول الاحتمال إلى معلومة. لكن من الصعب في الوقت نفسه تصور أن اتفاقًا استراتيجيًا بين هذه الدول الثلاث كان مفاجأة كاملة للمؤسسة السياسية والأمنية الأميركية.

فتركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وأي التزام دفاعي جديد لها يثير بطبيعته مسألة علاقته بالتزاماتها الأطلسية. والسعودية واحدة من أهم الشركاء الأمنيين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ويعتمد جزء كبير من بنيتها الدفاعية على منظومات أميركية. أما باكستان فلديها تاريخ طويل ومعقد من العلاقات العسكرية والاستخبارية مع واشنطن.

لهذا ينبغي ألا نتسرع في تفسير الصمت الأميركي باعتباره حيرة أو اعتراضًا.

قد يكون أمامنا واحد من ثلاثة احتمالات: أن تكون الدول الثلاث قد صممت الاتفاق بصورة مستقلة وأبلغت واشنطن به من دون أن تطلب موافقتها؛ أو أن تكون الولايات المتحدة قد علمت بالمسار مسبقًا وقبلت به ضمنيًا لأنه ينسجم مع دعوتها المتكررة لحلفائها إلى تحمل حصة أكبر من أعباء أمنهم؛ أو أن يكون هناك مستوى من التنسيق لم يُعلن عنه بعد.

لا توجد أدلة كافية الآن لترجيح الاحتمال الثالث. لكن الاحتمال الثاني يستحق اهتمامًا جديًا.

فالسياسة الأميركية تجاه المنطقة يمكن أن تتطور من نموذج تكون فيه الولايات المتحدة الضامن المركزي المباشر إلى نموذج آخر تصبح فيه المُنسِّق الاستراتيجي لشبكة من القوى الإقليمية القادرة على تحمل جزء أكبر من مسؤولية الدفاع عن نفسها.

وإذا صح هذا الاتجاه، فإن اتفاقية مكة لا تكون تمردًا على النظام الأمني الأميركي بقدر ما تكون جزءًا من إعادة توزيع الأدوار داخله. وهذا يجعل السؤال الصحيح ليس: لماذا صمتت واشنطن؟ بل: ماذا كانت واشنطن تعرف قبل توقيع اتفاقية مكة، وكيف ترى موقع الاتفاق في الهندسة الأمنية الجديدة للمنطقة؟

وسيكون أي موقف أميركي واضح في الأسابيع المقبلة مهمًا جدًا في الإجابة عن هذا السؤال.

روسيا: الصمت ذو الوجهين

الصمت الروسي يطرح مفارقة أخرى. فمن ناحية، يفترض أن ترحب موسكو بأي تحول يقلل احتكار الولايات المتحدة لصناعة الأمن في الشرق الأوسط، فهذا ينسجم مع دعوتها إلى نظام دولي متعدد الأقطاب. ومن ناحية أخرى، فإن قيام نظام أمني إقليمي أكثر استقلالًا لا يقلل الاعتماد على أميركا وحدها، بل يمكن أن يقلل أيضًا حاجة دول المنطقة إلى روسيا نفسها بوصفها قوة خارجية موازنة.

كما أن وجود تركيا في قلب اتفاقية مكة يجعل المسألة أكثر حساسية بالنسبة إلى موسكو. فتركيا شريك ومنافس لروسيا في آن واحد، وتتقاطع مصالحهما من البحر الأسود والقوقاز إلى سوريا وشرق المتوسط.

ولهذا قد تكون روسيا بدورها في مرحلة انتظار: هل ستكون اتفاقية مكة امتدادًا غير مباشر للنظام الأمني الغربي؟ أم بداية لاستقلال أمني إقليمي؟ أم نواة لمحور جديد له مصالحه المستقلة عن واشنطن وموسكو معًا؟

من يصنع أمن الشرق الأوسط؟

هذه الأسئلة تقود إلى القضية الأكبر التي تتجاوز المواقف المصرية والعراقية والسورية والأميركية والروسية.

شراء سلاح

المشكلة التاريخية في الشرق الأوسط لم تكن فقط في نقص القوة العسكرية. المنطقة من أكثر مناطق العالم شراءً للسلاح وإنفاقًا على الأمن. المشكلة أن أمنها ظل في جانب كبير منه مجزأً ومستورَدًا: دولة تبحث عن حمايتها ضد دولة أخرى، ومحور يقوم في مواجهة محور، وقوة دولية تحمي مجموعة من الدول، وقوة أخرى تدعم المجموعة المقابلة، فيما تتحول الدول الأضعف إلى ساحات للحروب بالوكالة.

إذا كررت اتفاقية مكة هذا النموذج فسوف تضيف حلفًا جديدًا إلى الأحلاف الموجودة، وربما تستدعي في المقابل تحالفات مضادة. وعندئذ لن تكون النتيجة أمنًا أكثر، وإنما دورة جديدة من توازن الخوف. أما إذا استُخدمت النواة السعودية–التركية–الباكستانية لبناء نظام أوسع يقوم على قواعد واضحة، فإن الاحتمال يصبح مختلفًا.

يمكن تصور نواة دفاعية عالية التكامل، وحولها دائرة أوسع للتعاون الأمني والعسكري، ثم إطار إقليمي أشمل يقوم على احترام السيادة وعدم الاعتداء وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية ومنع الحروب بالوكالة وحصر قرار السلاح والحرب بيد الدول. وعندها يصبح من الممكن أن تدخل مصر والعراق وسوريا ودول الخليج، وأن تفتح لاحقًا نافذة لإيران نفسها ضمن قواعد السلوك ذاتها.

ولا ينبغي أن يعني ذلك إخراج الولايات المتحدة أو روسيا، فضلًا عن الصين وأوروبا، من المنطقة. الأمن الإقليمي المستقل لا يعني العداء للقوى الكبرى. وإنما يعني أن تتحول هذه القوى من صانعة للنظام بالنيابة عن دول المنطقة إلى شركاء فيه.

الصامتون أمام لحظة اختيار

من المبكر القول إن اتفاقية مكة ستتحول فعلًا إلى منظومة للأمن الشرق أوسطي المشترك. وربما تبقى اتفاقية دفاعية بين ثلاث دول. لكن التطورات والتصريحات التي أعقبت توقيعها تجعل احتمال التوسع والتطور المؤسسي جديًا بما يكفي لكي تتعامل معه الدول الأخرى بجدية مماثلة.

ولهذا لا ينبغي أن نستعجل تفسير الصمت.

الصمت العراقي قد يعكس تعقيدات الدولة وقرارها الأمني.

الصمت السوري قد يكون انتظارًا لاتجاه النظام الجديد.

التريث المصري يبدو أقرب إلى حساب شروط العضوية وحدود الالتزام.

الصمت الروسي قد يكون انتظارًا لمعرفة علاقة النظام الجديد بالتوازن الدولي.

أما الصمت الأميركي فهو الأكثر إثارة للأسئلة، لأن العلاقات الأمنية العميقة التي تربط واشنطن بالدول الثلاث تجعل من الضروري التمييز بين صمت من فوجئ بالحدث وصمت من كان يعرف به وينتظر نتائجه.

لكن الصمت لا يستطيع أن يكون سياسة إلى ما لا نهاية.

فإذا بدأت اتفاقية مكة بإنشاء مؤسساتها، وتحديد شروط العضوية، وبناء قدراتها المشتركة، فإن السؤال الذي سيواجه بغداد والقاهرة ودمشق وغيرها لن يعود: هل نؤيد الاتفاقية أم نعارضها؟

سيصبح السؤال:

هل نريد أن نشارك في صناعة قواعد النظام الأمني الإقليمي الجديد، أم ننتظر حتى يكتمل ثم نبحث عن مكان لنا داخله؟

وربما يكون السؤال الذي ينبغي أن نوجهه إلى واشنطن وموسكو مختلفًا قليلًا:

هل تستطيع القوى الكبرى أن تقبل شرق أوسط يصنع أمنه بنفسه، ويتعاون معها من موقع الشريك، لا من موقع الباحث الدائم عن الحماية؟

هذا، في تقديري، هو السؤال الأكبر الذي وضعته اتفاقية مكة على الطاولة، حتى لو لم يكن موقّعوها قد قصدوا منذ البداية أن يذهب الاتفاق إلى هذا المدى.

 

 


مشاهدات 42
الكاتب محمد عبد الجبار الشبوط
أضيف 2026/08/15 - 1:55 AM
آخر تحديث 2026/08/15 - 3:07 AM

تابعنا على
إحصائيات الزوار
اليوم 231 الشهر 15316 الكلي 16105020
الوقت الآن
السبت 2026/8/15 توقيت بغداد
ابحث في الموقع
تصميم وتطوير